الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}
يَعْنِي بِذَلِكَ: قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ لِزَكَرِيَّا: يَا زَكَرِيَّا آيَتُكَ أَنْ لَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا بِغَيْرِ خَرَسٍ، وَلَا عَاهَةٍ، وَلَا مَرَضٍ {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا} فَإِنَّكَ لَا تُمْنَعُ ذِكْرَهُ، وَلَا يُحَالُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ تَسْبِيحِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِهِ.
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ:"لَوْ كَانَ اللَّهُ رَخَّصَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِ الذِّكْرِ لَرَخَّصَ لَزَكَرِيَّا حَيْثُ قَالَ: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا} ".
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: عَظِّمْ رَبَّكَ بِعِبَادَتِهِ بِالْعَشِيِّ، وَالْعَشِيُّ: مِنْ حِينِ تَزُولُ الشَّمْسُ إِلَى أَنْ تَغِيبَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
فَلَا الظِّلَّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُهُ ... وَلَا الْفَيْءَ مِنْ بَرْدِ الْعَشِيِّ تَذُوقُ
فَالْفَيْءُ إِنَّمَا تَبْتَدِئُ أَوْبَتُهُ عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَتَتَنَاهَى بِمَغِيبِهَا.
وَأَمَّا الْإِبْكَارُ: فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَبْكَرَ فُلَانٌ فِي حَاجَةٍ، فَهُوَ يُبْكِرُ إِبْكَارًا، وَذَلِكَ إِذَا خَرَجَ فِيهَا مِنْ بَيْنِ مَطْلَعِ الْفَجْرِ إِلَى وَقْتِ الضُّحَى، فَذَلِكَ إِبْكَارٌ، يُقَالُ فِيهِ: أَبْكَرَ فُلَانٌ، وَبَكَّرَ يُبَكِّرُ بُكُورًا فَمِنَ الْإِبْكَارِ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ:
[البحر الطويل]
أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ
وَمِنَ الْبُكُورِ قَوْلُ جَرِيرٍ:
[البحر الطويل]
أَلَا بَكَرَتْ سَلْمَى فَجَدَّ بُكُورُهَا ... وَشَقَّ الْعَصَا بَعْدَ اجْتِمَاعٍ أَمِيرُهَا
وَيُقَالُ مِنْ ذَلِكَ: بَكَّرَ النَّخْلُ يُبَكِّرُ بُكُورًا، وَأَبْكَرَ يُبَكِّرُ إِبْكَارًا، وَالْبَاكُورُ مِنَ الْفَوَاكِهِ: أَوَّلُهَا إِدْرَاكًا. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 5/}