الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا}
فَعَاقَبَهُ اللَّهُ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا بِمَسْأَلَتِهِ الْآيَةَ، بَعْدَ مُشَافَهَةِ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُ بِالْبِشَارَةِ، فَجَعَلَ آيَتَهُ عَلَى تَحْقِيقِ مَا سَمِعَ مِنَ الْبِشَارَةِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِيَحْيَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ آيَةً مِنْ نَفْسِهِ، جَمَعَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِهَا الْعَلَامَةَ الَّتِي سَأَلَهَا رَبَّهُ عَلَى مَا يُبَيِّنُ لَهُ حَقِيقَةَ الْبِشَارَةِ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَتَمْحِيصًا لَهُ مِنْ هَفْوَتِهِ، وَخَطَأَ قِيلِهِ وَمَسْأَلَتِهِ [1] .
عَنْ قَتَادَةَ،"إِنَّمَا عُوقِبَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ شَافَهَتْهُ مُشَافَهَةً بِذَلِكَ فَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيَى، فَسَأَلَ الْآيَةَ بَعْدَ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُ، فَأَخَذَ عَلَيْهِ بِلِسَانِهِ، فَجَعَلَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ إِلَّا مَا أَوْمَأَ وَأَشَارَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ كَمَا تَسْمَعُونَ: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} "
وَإِنَّمَا اخْتَارَتِ الْقُرَّاءُ النَّصْبَ فِي قَوْلِهِ: {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ} لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: قَالَ: آيَتُكَ أَنْ لَا تُكَلِّمَ النَّاسَ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَكَانَتْ «أَنْ» هِيَ الَّتِي تَصْحَبُ الِاسْتِقْبَالَ دُونَ الَّتِي تَصْحَبُ الْأَسْمَاءَ فَتَنْصِبَهَا، وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى فِيهِ: آيَتُكَ أَنَّكَ لَا تُكَلِّمُ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: أَيْ أَنَّكَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، كَانَ وَجْهُ الْكَلَامِ الرَّفْعَ، لِأَنَّ «أَنْ» كَانَتْ تَكُونُ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى الثَّقِيلَةِ خُفِّفَتْ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَائِزًا لِمَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ بِالْمَعْنَى الْآخَرِ، وَأَمَّا الرَّمْزُ فَإِنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ مَعَانِيهِ عِنْدَ الْعَرَبِ الْإِيمَاءُ بِالشَّفَتَيْنِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِيمَاءِ بِالْحَاجِبَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ أَحْيَانًا، وَذَلِكَ غَيْرُ كَثِيرٍ فِيهِمْ، وَقَدْ يُقَالُ لِلْخَفِيِّ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ مِثْلُ الْهَمْسِ بِخَفْضِ الصَّوْتِ: الرَّمْزُ، وَمِنْهُ قَوْلُ جُؤَيَّةَ بْنِ عَائِذٍ:
[البحر الوافر]
وَكَانَ يُكَلِّمُ الْأَبْطَالَ رَمْزًا ... وَهَمْهَمَةً لَهُمْ مِثْلَ الْهَدِيرِ
يُقَالَ مِنْهُ: رَمَزَ فُلَانٌ فَهُوَ يَرْمُزُ وَيُرْمِزُ رَمْزًا، وَيَتَرَمَّزُ تَرَمُّزًا، وَيُقَالُ: ضَرَبَهُ ضَرْبَةً فَارْتَمَزَ مِنْهَا: أَيِ اضْطَرَبَ لِلْمَوْتِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الرجز]
خَرَرْتُ مِنْهَا لِقَفَايَ أَرْتَمِزُ
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي عَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ فِي إِخْبَارِهِ عَنْ زَكَرِيَّا مِنْ قَوْلِهِ: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} وَأَيِّ مَعَانِي الرَّمْزِ عَنَى بِذَلِكَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ: آيَتُكَ أَنْ لَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا تَحْرِيكًا بِالشَّفَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَرْمُزَ بِلِسَانِكَ الْكَلَامَ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى اللَّهُ بِذَلِكَ الْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةَ.
[1] الأَولى مراعاة الأدب مع أنبياء الله - صلى الله عليهم وسلم - وزكريا - عليه السلام - لم يطلب الآية شكا في قدرة الله، فهذا - إن وقع من آحاد العوام - خرجوا به عن الملة - والعياذ بالله - إنما طلب الآية ليتعجل شكر النعمة، وهذا شأن المصطفَين الأخيار الذين قال الله في حقهم {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} والله أعلم.