وَأَمَّا الذُّرِّيَّةُ: فَإِنَّهَا جَمْعٌ، وَقَدْ تَكُونِ فِي مَعْنَى الْوَاحِدِ، وَهِيَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِلْوَاحِدِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مُخْبِرًا عَنْ دُعَاءِ زَكَرِيَّا: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} وَلَمْ يَقُلْ «أَوْلِيَاءَ» ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَأَلَ وَاحِدًا، وَإِنَّمَا أَنَّثَ طَيِّبَةً لِتَأْنِيثِ الذُّرِّيَّةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
أَبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرَى ... وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الْكَمَالِ
فَقَالَ: وَلَدَتْهُ أُخْرَى، فَأَنَّثَ، وَهُوَ ذَكَرٌ لِتَأْنِيثِ لَفْظِ الْخَلِيفَةِ، كَمَا قَالَ الْآخَرُ:
[البحر الطويل]
كَمَا يَزْدَرِي مِنْ حَيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ ... سَكَابٍ إِذَا مَا عَضَّ لَيْسَ بِأَدْرَدَا
فَأَنَّثَ الْجَبَلِيَّةَ لِتَأْنِيثِ لَفْظِ الْحَيَّةِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَعْنَى فَقَالَ: إِذَا مَا عَضَّ لِأَنَّهُ كَانَ أَرَادَ حَيَّةً ذَكَرًا، وَإِنَّمَا يَجُوزُ هَذَا فِيمَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ فُلَانٌ مِنَ الْأَسْمَاءِ كَالدَّابَّةِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالْخَلِيفَةِ، فَأَمَّا إِذَا سُمِّيَ رَجُلٌ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ فِي مَعْنَى فُلَانٍ لَمْ يَجُزْ تَأْنِيثُ فِعْلِهِ وَلَا نَعْتِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ سَامِعَ الدُّعَاءِ غَيْرَ أَنَّ سَمِيعًا أَمْدَحُ، وَهُوَ بِمَعْنَى ذُو سَمْعٍ لَهُ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّكَ تَسْمَعُ مَا تُدْعَى بِهِ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ فَقَالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ عِنْدِكَ وَلَدًا مُبَارَكًا، إِنَّكَ ذُو سَمْعٍ دُعَاءَ مَنْ دَعَاكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) }