ويرخص فقط بالتقية لمن خاف فِي بعض البلدان والأوقات.. ولكنها تقية اللسان لا ولاء القلب ولا ولاء العمل. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -"ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان".. فليس من التقية المرخص فيها أن تقوم المودة بين المؤمن وبين الكافر - والكافر هو الذي لا يرضى بتحكيم كتاب الله فِي الحياة على الإطلاق ، كما يدل السياق هنا ضمناً وفي موضع آخر من السورة تصريحاً - كما أنه ليس من التقية المرخص بها أن يعاون المؤمن الكافر بالعمل فِي صورة من الصور باسم التقية. فما يجوز هذا الخداع على الله!
ولما كان الأمر فِي هذه الحالة متروكاً للضمائر ولتقوى القلوب وخشيتها من علام الغيوب ، فقد تضمن التهديد تحذير المؤمنين من نقمة الله وغضبه فِي صورة عجيبة من التعبير حقاً:
{ويحذركم الله نفسه. وإلى الله المصير} ..
ثم يتابع السياق التحذير ولمس القلوب ، وإشعارها أن عين الله عليها ، وأن علم الله يتابعها:
{قل: إن تخفوا ما فِي صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ، ويعلم ما فِي السماوات وما فِي الأرض والله على كل شيء قدير} ..
وهو إمعان فِي التحذير والتهديد ، واستجاشة الخشية واتقاء التعرض للنقمة التي يساندها العلم والقدرة ، فلا ملجأ منها ولا نصرة!
ثم يتابع السياق التحذير ولمس القلوب خطوة أخرى كذلك باستحضار اليوم المرهوب ، الذي لا يند فيه عمل ولا نية ؛ والذي تواجه فيه كل نفس برصيدها كله:
{يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً ، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً} ..
وهي مواجهة تأخذ المسالك على القلب البشري ، وتحاصره برصيده من الخير والسوء. وتصور له نفسه وهو يواجه هذا الرصيد ، ويود - ولكن لات حين مودة! - لو أن بينه وبين السوء الذي عمله أمداً بعيداً. أو أن بينه وبين هذا اليوم كله أمداً بعيداً. بينما هو فِي مواجهته ، آخذ بخناقه ، ولات حين خلاص ، ولات حين فرار!