أى أن هؤلاء العلماء بالسنة قد اشترطوا"نقد المتن والنص والمضمون"بعد أن اشترطوا"نقد الرواية والرواة"وذلك حتى يسلم المتن والمضمون من"الشذوذ والعلة القادحة"، فلا يكون فيه تعارض حقيقي مع حديث هو أقوى منه سندًا، وألصق منه بمقاصد الشريعة وعقائد الإسلام، ومن باب أولى ألا يكون الأثر المروى متناقضًا تناقضًا حقيقيًّا مع محكم القرآن الكريم ..
ولو أننا طبقنا هذا المنهاج العلمي المحكم، الذي هو خلاصة علوم السنة النبوية ومصطلح الحديث، لما كانت هناك هذه المشكلة - القديمة ..
المتجددة - .. ولكن المشكلة - مشكلة الغلو، بأنواعه ودرجاته - إنما تأتى
من الغفلة أو التغافل عن تطبيق قواعد هذا المنهج الذي أبدعته الأمة الإسلامية، والذي سبقت به حضارتنا كل الحضارات في ميدان"النقد الخارجي والداخلى للنصوص والمرويات".. وهذه الغفلة إنما تتجلى في تركيز البعض على"الرواية"مع إهمال"الدراية"أو العكس .. وفي عدم تمييز البعض بين مستويات المرويات، كأن يطلب من الأحاديث ظنية الثبوت ما هو من اختصاص النصوص قطعية الثبوت .. أو من مثل تحكيم"الهوى"أو"العقل غير الصريح"في المرويات الصحيحة، الخالية متونها ومضامينها من الشذوذ والعلة القادحة ..
وهناك أيضًا آفة الذين لا يميزون بين التوقف إزاء"الرواية والرواة"- وهم بشر غير معصومين، وفيهم وفي تعديلهم وقبول مروياتهم اختلف الفقهاء وعلماء الحديث والمحدثون - وبين التوقف إزاء"السنة"، التي ثبتت صحة روايتها ودرايتها عن المعصوم صلى الله عليه وسلم .. فتوقف العلماء المتخصصين - وليس الهواة أو المتطفلين - إزاء"الرواية والرواة"شيء ، والتوقف إزاء"السنة"التي صحت وسلمت من الشذوذ والعلل القادحة شيء آخر .. والأول حق من حقوق علماء هذا الفن، أما الثاني فهو تكذيب للمعصوم صلى الله عليه وسلم، والعياذ بالله ..
أما الذين يقولون إننا لا حاجة لنا إلى السنة النبوية، اكتفاء بالبلاغ القرآني، الذي لم يفرط في شيء .. فإننا نقول لهم ما قاله الأقدمون - من أسلافنا - للأقدمين - من أسلافهم -: