وَأَقُولُ: لَعَلَّ الْمُرَادَ بِعِبَارَةِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْإِسْرَائِيلِيَّ إِذَا عُوقِبَ فَإِنَّ عُقُوبَتَهُ لَا تَكُونُ إِلَّا قَلِيلَةً كَمَا هُوَ اعْتِقَادُ أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ ، إِذْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمُسْلِمَ الْمُرْتَكِبَ لِكَبَائِرِ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشِ إِمَّا أَنْ تُدْرِكَهُ الشَّفَاعَاتُ ، وَإِمَّا تُنْجِيهِ الْكَفَّارَاتُ ، وَإِمَّا أَنْ يُمْنَحَ الْعَفْوَ وَالْمَغْفِرَةَ بِمَحْضِ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ ، فَإِنْ فَاتَهُ كُلُّ ذَلِكَ عُذِّبَ عَلَى قَدْرِ خَطِيئَتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، وَأَمَّا الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ فَهُمْ خَالِدُونَ فِي النَّارِ كَيْفَمَا كَانَتْ حَالُهُمْ وَمَهْمَا كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ ، وَالْقُرْآنُ لَا يُقِيمُ لِلِانْتِسَابِ إِلَى دِينٍ مَا وَزْنًا ، وَإِنَّمَا يَنُوطُ أَمْرَ النَّجَاةِ مِنَ النَّارِ وَالْفَوْزِ بِالنَّعِيمِ الدَّائِمِ فِي دَارِ الْقَرَارِ بِالْإِيمَانِ الَّذِي وَصَفَهُ وَذَكَرَ عَلَامَاتِ أَهْلِهِ وَصِفَاتِهِمْ ، وَبِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ مَعَ التَّقْوَى وَتَرْكِ الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، وَأَمَّا الْمَغْفِرَةُ فَهِيَ خَاصَّةٌ فِي حُكْمِ الْقُرْآنِ بِمَنْ لَمْ تُحِطْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ، وَأَمَّا مَنْ أَحَاطَتْ بِهِ حَتَّى اسْتَغْرَقَتْ شُعُورَهُ وَرَانَتْ عَلَى قَلْبِهِ فَصَارَ هَمُّهُ مَحْصُورًا فِي إِرْضَاءِ شَهْوَتِهِ وَلَمْ يَبْقَ لِلدِّينِ سُلْطَانٌ عَلَى نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ; لِهَذَا يَحْكُمُ هَذَا الْكِتَابُ الْحَكِيمُ بِأَنَّ مَنْ يَجْعَلُ الدِّينَ جِنْسِيَّةً وَيَنُوطُ النَّجَاةَ مِنَ النَّارِ بِالِانْتِسَابِ