هذا تعريض ببني إسرائيل ، وذاك لأن أبا عبيدة بن الجراح قال:
قلت: يا رسول الله ، من أشد الناس عذابًا يوم القيامة ؟
قال:"من قتل نبيٍّا أو رجلًا أمر بمعروف ونهى عن منكر"، ثم قرأ الآية ، وقال:"يا أبا عبيدة قتل بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًّا فِي ساعة من صدر النهار ، فقام مائة واثنا عشر رجلًا من عُبَّادهم ، فأمروهم بالمعروف ، ونهوهم عن المنكر ، فقُتِلُوا جميعهم آخر النهار".
إن قيل: لِمَ أعيد يقتلون ولم يقل: ويقتلون النبيين ويقتلون الذين
يأمرون ؟ فقل: لأمرين:
أحدهما تفظيعًا لشانهم.
والثاني: أنه يجوز أن يكون أحد القتلين تفويت الروح والآخر الإِهانة وإماتة
الذكرِ ، وذلك كثير فِي كلامهم.
إن قيل: لِمَ قال: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ) ، وقتلهم لا يكون بحق على وجه حتى يحتاج إلى تقييده بذلك ؟
قيل: قوله (بِغَيْرِ حَقٍّ) ليس يتعلق بقوله (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ) ، بل هو من صفة الذين يكفرون ، كأنه قال: هم يقتلون ، وهم غير محقين ، ووصفهم بذلك من أنهم
غير محقين فِي جميع أحوالهم ، وتخصيص أنها للاستقبال في
قوله: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ) كتخصيصه فِي قوله: (تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ) ، قد تقدَّم الكلام فيه.
وكذلك قد تقدم تخصيصُ لفظ البشارة فِي العذاب.
مع كونه موضوعَا لما يسر.
فإن قيل: ما فائدة قوله (مِنَ النَّاسِ) ؟
قيل: عنى بذلك وجود الفضيلة المختصة بالإنسان فِي النبيين ، والآمرين
بالقسط ، وذلك نحو قولهم: فلان هو إنسان ، وعلى ذلك
قول الشاعر:
إذ الناسُ ناس والزمان يَعِزُّ به.
قوله عز وجل: (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ(22)