وحين يرى إنسان له فِي كل يد خمس أصابع إنساناً آخر له إصبع زائدة يعوق حركة يده ، يعْرف حكمة وجود الأصابع الخمس ، فالجمال لا يثبت إلا بوجود القبح ، وبضدها تتمايز الأشياء ، الإنسان الذي له سبع أصابع فِي يد واحدة ، يضع الطب أمام مهمة يجند نفسه لها ؛ حتى يستطيع الطبيب أن يستأصل الزائد عن حاجة الإنسان الطبيعي. ولو خلق الله الإنسان بثلاث أصابع لما استطاع ذلك الإنسان أن يتحكم عند استعماله الأشياء الدقيقة.
إن الإنسان العادي فِي حركته اليومية لا يدرك جمال استواء خلقه إلا إذا رأى فرداً من أفراد الشذوذ. والحق يلفت الناس الساهين عن نعم الله عليهم لرتابتها فيهم بفقدها فِي غيرهم. فساعة أن يرى مبصرٌ مكفوفاً يسير بعكاز ، يفطن إلى نعمة البصر التي وهبها له الله فيشعر بنعمة الله عليه. إن الشذوذ فِي الخلق هو نماذج إيضاحية تلفت الناس إلى نعم الله التي أنعم الله عليهم بها.
هذه المُثُل فِي الكون تلفت الناس إلى نعم الله فيهم ، ولذلك تجدها أمامك ، وأيضا كي لا تستدرك على خالقك ، ولا تقل ما ذنب هذا الإنسان أن يكون مخلوقاً هكذا ؟ فهو سبحانه سيعوضه فِي ناحية أخرى ؛ فقد يعطيه عبقرية تفوق إمكانات المبصر.
ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - عن الذي ساح فِي الدنيا"تيمور لنك الأعرج"وهو القائد الذي أذهل الدنيا شجاعة ، إن الله قد أعطاه موهبة التخطيط والقتال تعويضاً له عن العرج. ونحن نجد العبقريات تتفجر فِي الشواذ غالباً ، لماذا ؟ لأن الله يجعل للعاجز عجزاً معيناً همة تحاول أن تعوض ما افتقده فِي شيء آخر ، فيأتي النبوغ. إذن فـ {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} وكل تصوير له حكمة. وما دام كل تصوير له حكمة فكل خلق الله جميل.