الاقتصار فِي المحاجّة على أن يقول: تقبل ما أقوله أم تردّه ، فإن
رددتَه أعرضت عنك ؟
قيل: المحاجّة ضربان: ضرب للاستهداء
وضربٌ للعناد.
ولما كان الله قد بيَّن لهم الأدلة ، وبين أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.
قال حينئذٍ: إن عاندوك فعرفهم مخالفتك لهم.
وهذا كما يقال لمن أوضحت له الحجة:
إن قبلتَ وإلا أعرضنا عنك.
وقال بعضعهم: إنما نبَّه بهذه الآية على الحجةِ اللازمة لهم.
ووجه ذلك أنه قال: قل لهم: إني توجهت إلى الله بعبادة.
فهل تُنكرون كونه معبودًا ، فإنه لا يمكنهم إنكار
ذلك إذ كان وجوب عبادته والتوحّد له محمودًا عند الكلِّ ، وإنما
اختلاَفهم فِي غيره ، فبَيِّنْ أنهم إن أسلموا للحجة فقد اهتدوا ، فإن
حجتَك لازمة - وليس لهم ما يدعونه حجة ، وفي ذلك اهتداؤهم.
(وَإِنْ تَوَلَّوْا) أي إن أبوا أن ينقادوا للحجة فليس عليك إلا البلاغ.
كقولك: ليس عليك هداهم ونحوه ، وقدَّم الذين أوتوا
الكتاب ، لأن الحجة تلزمهم من وجهين:
من الوجه الذي يلزم الأميين ، ومن وجه أنهم يدَّعون الإِيمانَ بإبراهيم وغيره.
وعلى هذا قال إبراهيم: (يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا)
وقوله: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) : أي عارف بمقاصدهم.
وقوله: (وَمنِ اَتبَعَنِ) معطوف على التاء أي ، (أَسْلَمْتُ) .
ولم يحتج إلى تأكيد الضمير ، كما أُكد فِي قولهم: خرجت أنا وزيد.
للفصل القائم مقام التأكيد ، وحذف الياء من قوله.
(اَتبَعَنِ) لدلالة الكسْرِ عليه.
قوله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(21)