لذلك اضطرب الرأي حول"الفائدة"التي تقدمها المؤسسات المالية. ولقد كان الرأي الأول أن يضع المسلم ماله فيها في"الحساب الجاري"الذي لا تُؤخذ معه الفائدة التي تُعْتَبر حراماً ومالاً خبيثاً. وصارت القناعة لدى عامة الناس أنهم إن فعلوا ذلك تجنَّبوا الحرام، وأنَّ تعاملهم مع المؤسسة المالية أصبح حلالاً لا إثم فيه ولا معصية. وغاب عن بال هؤلاء أنه لا فرق في عمل المؤسسات المالية مع الأموال بين حساب جارٍ وحساب غير جارِ إلا في الدفاتر أو في بعضها. أما الأموال عامة فتدخل في نشاط المؤسسة دون تفريق، ويكون لهذا الحساب"فائدة"ولذلك الحساب"فائدة"والفرق الوحيد أن"المودع"تَبَّرع بالفائدة عملياً للمؤسسة ويُعْتَبَرُ مال المودَع قد دخل في المعاملات التي استحقت"الفائدة". فإن كانت الفائدة حراماً فقد دخل في الحرام كمن وضع ماله في حساب الفائدة، لأن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم جعل الإثم واللعنة على آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه. والمودِعُ شاهد على الأقل، وإذا ادّعى الجهل فهذا جهل لا يُعِذَر فيه، لأنه أمر عام عليه أن يستوضح قبل التورّط. وغاب عن بال هؤلاء، أنهم إذا اعتبروا الفائدة رباً حراماً، فلا يكون الإثم متوقفاً على قبض الفائدة وتسلمها، ولكن الإثم يبتدئ بالتعامل مع مؤسسة هو يعتبرها ربويّة.
ورأي آخر يقول إِن أخذ"الفائدة"وهي رباً في نظره ومال خبيث، أفضل من أن يتركها للبنك. ولكن لا يُنْفِقُها على نفسه وأهله، بل يتصدّق بها، وليس له أجر على ذلك من عند الله، لأنها مال خبيث، وليس له إلا رأس ماله يبقي طيباً لقوله سبحانه وتعالى:
(( .. فلكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون ) ).