ولقد غزا هذا النظام الشعوب كلها وغزا العالم الإسلامي، يقوده علوم وتقنية، ونظم إدارية متطورة تحميه وتحمي رجاله المتحكمين، وهيئات ومؤسسات تعمل ليل نهار، لتوفّر هذه العلوم والتقنية والإدارة والمؤسسات وسائل نهب الشعوب، وسائل الكسب الحرام والإنفاق الحرام، ويحمي هذا النظام الاقتصادي سياسة ونظام سياسي وقوة عسكرية نامية مدمرة.
وكان من أهم آثار ذلك انتشار الأزمات الاقتصادية وانتشار البطالة، وانتشار الفتنة والفساد والجرائم، والحروب التي لا تكاد تتوقف، والمؤامرات في جوف الليل وفي وضح النهار، حتى ظهر الفساد في البّر والبّحر والجو.
وغزا هذا كله العالم الإسلاميّ كالطوفان. والمسلمون متفرّقون متخلّفون أنهكهم الصراع بينهم حتى استفاد عدوهم من ذلك. وامتدت المؤسسات الماليّة الرأسمالية إلى العالم الإسلامي، واضطرب المسلمون وحاروا كيف يتعاملون مع هذه المؤسسات، وصدرت فتاوى هنا وفتاوى هناك، فتاوى يناقض بعضها بعضاً.
وأول ملاحظة لنا على ذلك هو أنه كانت تآخذ القضية الجزئية الواحدة معزولة عن نظامها الكلي، فلا تبدو الصورة عندئذ على حقيقتها، ولا تبرز الجريمة في هذه الجزئية أو تلك بعد أن عُزِلت ثم زُخْرِفت بوسائل شتى من وسائل التجميل لإزالة القبح الكبير المتخفِّي. وقد لا يبدو وجه"الحرام"في هذه الجزئية بعد عزلها وإخفاء ارتباطها بالنظام الكلّي الذي نَبَعَتْ منه وحملت معها منه أشكالاً متعددة من الحرام!.