ولم يأكل العالم الرأسمالي أموال العالم الإسلامي وحده بالباطل، بل أكل أموال شعوبه بالباطل أيضاً، حتى تكوّنت طبقات على أُسس غير عادلة ولا أمينة، وحتى كثرت البطالة وتوالت الأزمات الاقتصادية، وتنافست الدول الرأسمالية في صراع محموم من أجل أكل الأموال بالباطل. وأقامت هذه الدول الرأسمالية مؤسساتها على نفس الأسس من أكل المال بالباطل، مهما اختلفت أسماءها وأشكالها وأنظمتها.
وقد وصف القرآن الكريم لنا هذا النشاط الماليّ الحرام يقوم به كثير من الأحبار والرهبان وصفاً جلياً:
(( يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) )
[التوبة: 34، 35]
وهكذا بيّن الله سبحانه وتعالى أساس التعامل الحرام بالمال. إنه أكل أموال الناس بالباطل، والربا باب من أبوابه، أو أنه يجمع الأبواب كلها. وبيّن الإسلام أبواب الكسب الحلال وحثّ عليها، وبيّن أبواب الكسب الحرام وما يحرم من البيوع فنهى عن ذلك كله.
وارتبط أكل المال بالباطل في الآية السابقة بكنز الذهب والفضّة، وبعدم إنفاقها في سبيل الله. فجعل الإسلام للكسب الحلال شروطاً وقواعد، وجعل للإنفاق الحقّ شروطاً وقواعد. وذلك كله لصلاح الإنسان على الأرض، وصلاح الشعوب كلها إذا التزمت وتعاونت على ممارسة قواعد الإيمان.
فالنظام الرأسمالي ومؤسساته لا يقع المال الحرام فيه من باب واحد، ولكن من أبواب متعددة تجمعها كلمة"أكل أموال الناس بالباطل""وكنز الأموال وعدم إنفاقها في سبيل الله". فأصبحت المؤسسات الرأسمالية تجمع الحرام من ناحيتين: من أكل أموال الناس بالباطل من جميع أبوابه وسبله الحرام، ومن الإنفاق في غير سبيل الله، من الإنفاق على الصدّ عن سبيل الله، والإِنفاق على الفتنة والفساد والكبائر كلها، حتى أَصبح هذا النظام ومؤسساته معجوناً بالربا والحرام عجناً.