وقيل: نسخ التقدير بمقدار ، وبقي أصل الوجوب ؛ كقوله تعالى: {فَمَا استيسر مِنَ الهدي} [البقرة: 196] فالهدي لا بدّ منه ، كذلك لم يكن بُدٌّ من صلاة الليل ، ولكن فُوّض قدره إلى اختيار المصلّي ، وعلى هذا فقد قال قوم: فَرْض قيام الليل بالقليل باقٍ ؛ وهو مذهب الحسن.
وقال قوم: نسخ بالكلية ، فلا تجب صلاة الليل أصلاً ؛ وهو مذهب الشافعي.
ولعل الفريضة التي بقيت في حقّ النبيّ صلى الله عليه وسلم هي هذا ، وهو قيامه ، ومقداره مفوّض إلى خِيرتِه.
وإذا ثبت أن القيام ليس فرضاً فقوله تعالى: {فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} معناه اقرؤوا إن تيّسر عليكم ذلك ، وصلّوا إن شئتم.
وصار قوم إلى أن النسخ بالكلية تقرّر في حقّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أيضاً ، فما كانت صلاة الليل واجبة عليه.
وقوله: {نَافِلَةً لَّكَ} محمول على حقيقة النفل.
ومن قال: نسخ المقدار وبقي أصل وجوب قيام الليل ثم نسخ ، فهذا النسخ الثاني وقع ببيان مواقيت الصلاة ؛ كقوله تعالى: {أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس} [الإسراء: 78] ، وقوله: {فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] ، ما في الخبر من أن الزيادة على الصلوات الخمس تطوّع.
وقيل: وقع النسخ بقوله تعالى: {وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم وللأمة ، كما أنّ فرضية الصلاة وإن خوطب بها النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {يا أيها المزمل * قُمِ الليل} كانت عامة له ولغيره.