ولما كان صالحاً لأن يراد به الصلاة لكونه أعظم أركانها وأن يراد به نفسه من غير صلاة زيادة في التخفيف ، قال ترجيحاً لإرادة هذا الثاني أو تنصيصاً على إرادة الأول: {وأقيموا} أي أوجدوا إقامة {الصلاة} المكتوبة بجميع الأمور التي تقوم بها من أركانها وشروطها ومقدماتها ومتمماتها وهيئاتها ومحسناتها ومكملاتها.
ولما ذكر بصفة الخالق التي هي أحد عمودي الإسلام البدني والمالي ، أتبعها العمود الآخر وهو الوصلة بين الخلائق فقال: {وآتوا} من طيب أموالكم التي أنعمنا به عليكم {الزكاة} أي المفروضة ، ولما كان المراد الواجب المعروف ، أتبعه سائر الإنفاقات المفروضة والمندوبة ، فقال: {وأقرضوا الله} أي الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال التي منها الغنى المطلق ، من أبدانكم وأموالكم في أوقات صحتكم ويساركم {قرضاً حسناً} من نوافل الخيرات كلها في جميع شرعه برغبة تامة وعلى هيئة جميلة في ابتدائه وانتهائه وجميع أحواله ، فإنه محفوظ لكم عنده مبارك فيه ليرده عليكم مضاعفاً أحوج ما تكونون إليه.
ولما كان هذا الدين جامعاً ، وكان هذا القرآن حكيماً لأن منزله له صفات الكمال فأمر في هذه الجمل بأمهات الأعمال اهتماماً بها ، أتبع ذلك أمراً عاماً بجميع شرائع الدين فقال: {وما تقدموا} وحث على إخلاص النية بقوله: {لأنفسكم} أي خاصة سلفاً لأجل ما بعد الموت لا تقدرون على الأعمال {من خير} أي أيّ خير كان من عبادات البدن والمال {تجدوه} محفوظاً لكم {عند الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {هو} أي لا غيره {خيراً} أي لكم ، وجاز وقوعه الفصل بين غير معرفتين لأن"أفعل من"كالمعرفة ، ولذلك يمنع دخول أداة التعريف عليها.