ورغما عن إسقاط فريضة"التهجد"فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقي يتهجد بالخصوص طوال عهد الرسالة، إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، ولم يقل قيامه عن ثلث الليل، وكان صلى الله عليه وسلم يوتر بإحدى عشرة ركعة، فلما تقدم به السن أخذ يوتر بسبع ركعات، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، كما روي عن عائشة رضي الله عنها، وذلك امتثالا لقوله تعالى خطابا لرسوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} . قالت عائشة:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ السورة فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها"، وسئلت أم سلمة عن قراءة رسول الله، فقالت:"كان"
يقطع قراءته آية آية: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} .
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} ، أي: إنه سبحانه يطيل من هذا، ويقصر من ذاك فيطول الليل وينقص، ويأخذ هذا من هذا أحيانا، ويعتدلان أحيانا، طبقا للناموس الذي وضعه الله لهما.
وقوله تعالى: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} ، إشارة إلى فرض قيام الليل، الذي كان الله قد فرضه على المسلمين اختبارا لهم، وإن كان يعلم عجزهم عن موالاة القيام به دائما، وها هو الحق سبحانه يخففه عنهم، حتى لا يكون عليهم في الدين من حرج، ويشهد لمعنى هذه الآية قوله تعالى في آية أخرى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} (الأنفال: 66) .
وقوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} ، إذْنٌ من الله تعالى للمؤمنين بأن يكتفوا بقراءة ما تيسر من القرآن، أثناء صلاة الليل، وفسر ابن كثير هذه الآية بمعنى:"قوموا من الليل ما تيسر"من غير تحديد، لا بثلثي الليل ولا بنصفه ولا بثلثه"."