عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا رَأَوْهُ يُصَلِّي وَأَصْحَابُهُ يَرْكَعُونَ بِرُكُوعِهِ وَيَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ، قَالَ: عَجِبُوا مِنْ طَوَاعِيَةِ أَصْحَابِهِ لَهُ؛ قَالَ: فَقَالَ لِقَوْمِهِمْ {لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} .
وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدٍ فَتَحَ الْأَلِفَ مِنْ قَوْلِهِ: {وَأَنَّهُ} عَطْفٌ بِهَا عَلَى قَوْلِهِ: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} مَفْتُوحَةً، وَجَازَ لَهُ كَسْرُهَا عَلَى الِابْتِدَاءِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ مِنْ خَبَرِ اللَّهِ الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعِلْمِهِ أَنَّ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ تَظَاهَرُوا عَلَيْهِ، لِيُبْطِلُوا الْحَقَّ الَّذِي جَاءَهُمْ بِهِ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا إِتْمَامَهُ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: تَلَبَّدَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ لِيُطْفِئُوهُ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَنْصُرَهُ وَيُمْضِيَهُ، وَيُظْهِرَهُ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُ.
وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فَتَحَ الْأَلِفَ مِنْ قَوْلِهِ: {وَأَنَّهُ} .
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ أَنَّ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَامَ يَدْعُوهُ كَادَتِ الْعَرَبُ تَكُونُ عَلَيْهِ جَمِيعًا فِي إِطْفَاءِ نُورِ اللَّهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِالصَّوَابِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} عُقَيْبَ قَوْلِهِ: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} وَذَلِكَ مِنْ خَبَرِ اللَّهِ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} وَأُخْرَى أَنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِيَ يَتْبَعُ ذَلِكَ الْخَبَرُ عَمَّا لَقِيَ الْمَأْمُورُ بِأَنْ لَا يَدْعُوَ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا فِي ذَلِكَ، لَا الْخَبَرُ عَنْ كَثْرَةِ إِجَابَةِ الْمَدْعُوِّينَ وَسُرْعَتِهِمْ إِلَى الْإِجَابَةِ.
عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} قَالَ: لَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى رَبِّهِمْ كَادَتِ الْعَرَبُ تَكُونُ عَلَيْهِ جَمِيعًا.