{ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} أي: رجعتين مرّة بعد مرّة ، وانتصابه على المصدر ، والمراد بالتثنية: التكثير ، كما في لبيك وسعديك ، أي: رجعة بعد رجعة وإن كثرت.
ووجه الأمر بتكرير النظر على هذه الصفة ، أنه قد لا يرى ما يظنه من العيب في النظرة الأولى ولا في الثانية ، ولهذا قال أوّلاً: {مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت} ثم قال ثانياً: {فارجع البصر} ثم قال ثالثاً: {ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ} فيكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة ، وأقطع للمعذرة {يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا} أي: يرجع إليك البصر ذليلاً صاغراً عن أن يرى شيئًا من ذلك ، وقيل: معنى خاسئاً: مبعداً مطروداً عن أن يبصر ما التمسه من العيب ، يقال: خسأت الكلب أي: أبعدته وطردته.
قرأ الجمهور {ينقلب} بالجزم جواباً للأمر.
وقرأ الكسائي في رواية بالرفع على الاستئناف {وَهُوَ حَسِيرٌ} أي: كليل منقطع.
قال الزجاج: أي: وقد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللاً ، وهو فعيل بمعنى فاعل من الحسور ، وهو الإعياء ، يقال: حسر بصره يحسر حسوراً أي: كلّ وانقطع ، ومنه قول الشاعر:
نظرت إليها بالمحصب من منى... فعاد إليّ الطرف وهو حسير
{وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح} بيّن سبحانه بعد خلق السماوات ، وخلوّها من العيب والخلل أنه زينها بهذه الزينة ، فصارت في أحسن خلق وأكمل صورة وأبهج شكل ، والمجيء بالقسم لإبراز كمال العناية ، والمصابيح جمع مصباح ، وهو السراج ، وسميت الكواكب مصابيح ؛ لأنها تضيء كإضاءة السراج وبعض الكواكب ، وإن كان في غير سماء الدنيا من السماوات التي فوقها ، فهي تتراءى كأنها كلها في سماء الدنيا ؛ لأن أجرام السماوات لا تمنع من رؤية ما فوقها مما له إضاءة لكونها أجراماً صقيلة شفافة {وجعلناها رُجُوماً للشياطين} أي: وجعلنا المصابيح رجوماً يرجم بها الشياطين.