ولما ذكر تعالى مباينته للمخلوقات وصف نفسه بالإحاطة الكاملة فقال تعالى: {ذو الجلال} أي: العظمة التي لا ترام وهو صفة ذاته التي تقتضي إجلاله عن كل ما لا يليق به {والإكرام} أي: الإحسان العام وهو صفة فعله مع جلاله وعظمته.
{فبأي آلاء} أي: نعم {ربكما} أي: المربى لكما على هذا الوجه الذي مآله إلى العدم إلى أجل مسمى {تكذبان} أبتلك النعم من بقاء الرب وفناء الكل والحياة الدائمة والنعيم المقيم أم بغيرها؟.
وقوله تعالى: {كل من عليها فان} أي: هالك غلب فيه من يعقل على غيره وجميعهم مراد ؛ والضمير في عليها للأرض قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر كقوله تعالى: {حتى توارت بالحجاب} (ص: (
ورد هذا بأنه قد تقدّم ذكرها في قوله تعالى: {والأرض وضعها} (الرحمن: (
وقيل: الضمير عائد إلى الجواري.
قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلكت أهل الأرض فنزل: {كل شيء هالك إلا وجهه} فأيقنت الملائكة بالهلاك.
فإن قيل: الكلام في تعدّد النعم فأين النعمة في فناء الخلق ؟
أجيب: بأنها التسوية بينهم في الموت والموت سبب للنقل إلى دار الجزاء والثواب.
{ويبقى} أي: بعد فناء الكل بقاء مستمرّا إلى ما لا نهاية له {وجه ربك} أي: ذاته فالوجه عبارة عن وجود ذاته. قال ابن عباس: الوجه عبارة عنه.
فإن قيل كيف خاطب الاثنين بقوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} وخاطب ههنا الواحد فقال: {ويبقى وجه ربك} ولم يقل وجه ربكما ؟
أجيب: بأنّ الإشارة ههنا وقعت إلى كل أحد فقال: ويبقى وجه ربك أيها السامع ليعلم كل أحد أنّ غيره فان فلو قال: ويبقى وجه ربكما لكان كل أحد يخرج نفسه ورفيقه ؛ المخاطب عن الفناء ، فإن قيل: فلو قال: ويبقى وجه الرب من غير خطاب كان أدل على فناء الكل ؛ أجيب: بأن كاف الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف ، والإبقاء إشارة إلى القهر والموضع موضع بيان اللطف وتعديد النعم ، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب