والجنة - بالضم - ما يستجن به، من ترس أو غيره. ومنه قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً يستترون بها من إنكار المؤمنين عليهم. ومنه الجنة - بالكسر - وهم الجن، كما قال تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ.
وذهبت طائفة من المفسرين إلى أن الملائكة يسمون جنة. واحتجوا بقوله تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً}
قالوا: وهذا النسب قولهم: الملائكة بنات الله. ورجحوا هذا القول بوجهين.
أحدهما: أن النسب الذي جعلوه إنما زعموا أنه بين الملائكة وبينه لا بين الجن وبينه.
الثاني: قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} أي قد علمت الملائكة أن الذين قالوا هذا القول محضرون للعذاب.
والصحيح: خلاف ما ذهب إليه هؤلاء، وأن الجنة هم الجن أنفسهم، كما قال تعالى: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}
وعلى هذا ففي الآية قولان.
أحدهما: قول مجاهد: قال: قالت كفار قريش: الملائكة بنات الله.
فقال لهم أبو بكر: فمن أمهاتهم؟ قالوا: سروات الجن.
وقال الكلبي: قالوا تزوج من الجن، فخرج من بينهما الملائكة.
وقال قتادة، قالوا: صاهر الجن.
والقول الثاني: هو قول الحسن. قال: أشركوا الشياطين في عبادة الله. فهو النسب الذي جعلوه.
والصحيح قول مجاهد وغيره.
وما احتج به أصحاب القول الأول ليس بمستلزم لصحة قولهم. فإنهم لما قالوا: الملائكة بنات الله، وهم من الجن، عقدوا بينه وبين الجنة نسبا بهذا الإيلاد وجعلوا هذا النسب متولدا بينه وبين الجن.
وأما قوله: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ}
فالضمير يرجع إلى الجنة، أي قد علمت الجنة أنهم محضرون الحساب. قاله مجاهد، أي لو كان بينه وبينهم نسب لم يحضروا الحساب، كما قال تعالى: {وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ}
فجعل سبحانه عقوبتهم بذنوبهم وإحضارهم للعذاب مبطلا لدعواهم الكاذبة.
وهذا التقدير في الآية أبلغ في إبطال قولهم من التقدير الأول فتأمله.
الاسم الثاني: دار السلام، وقد سماها الله تعالى بهذا الاسم في قوله: {لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ} وقوله: {وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ}