وهذا عند أهل اللغة لا يجوز مثله إلا في الشعر إلا أن يكون مثل قولك: استويت أنا وزيدٌ، ويستقبحون استويت وزيدٌ.
وإنما المعنى استوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على صورته الحقيقية.
لأنه كان يتمثل للنبي - صلى الله عليه وسلم - إذا هبط عليه بالوحي في صورة رجلٍ، فأحبَّ رسول اللَّهِ أن يراه على حقيقته فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق.
فالمعنى - واللَّه أعلم - فاستوى جبريل في الأفق الأعلى على صورته.
(ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى(8)
ومعنى (دَنَا، وَتَدَلى) واحد، لأن المعنى أنه قَربَ، وتدلى زَادَ في القرب.
كما تقول: قد دنا فلان مني وقرب، ولو قلت: قد قُرَبَ مني ودنا جاز.
(فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى(9)
المعنى كان ما بينه وبين رسول اللَّه مقدار قوسين مِنَ القَسِيِّ العربيةِ أو
أقرب.
وهذا الموضع يحتاج إلى شرح لأن القائل قد يقول: ليس تَخْلُو"أو"
من أن تكون للشك أو لغير الشك.
فإن كانت للشك فمحال أن يكون موضع شك.
وإن كان معناها بل أدنى، بل أقْرَبُ فما كانت الحاجة إلى أن يقول:
(فكان قاب قَوْسَيْن) - كان ينبغي أن يكون كان أدنى من قاب قَوسَينْ.
والجواب في هذا - والله أعلم - أن العباد خوطبوا على لغتهم ومقدار
فهمهم وقيل لهم في هذا ما يقال للذي يحزر (1) ، فالمعنى فكان على ما تُقَدرونَه
أنتم قدر قوسين أو أدنى من ذلك، كما تقول في الذي تقدره: هذا قدر رُمْحَينِ أو أنقص من رُمْحَين أو أرجح.
وقد مرَّ مثل هذا في قوله: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) .
(فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى(10)
أي فَأوحى جبريل إلى النبي عليه السلام ما أوحى.
قوله: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى(11)
وقرئت: (مَا كَذَّبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) بتشديد الذَّال.
وقوله: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى(18)
(1) الحَزَّاءُ والحازي الذي يَحْزُرُ الأَشياء ويقَدِّرُها بظنه. (انظر اللسان. 14/ 174) .