فانطلَقت بكتابه حتى جِئت تبوكَ، فإذا هو جالس بين ظهراني أصحابه مُحتبيًا على الماء، فقلت: أين صاحبكم؟ قيل: ها هو ذا، فأقبلت أمشي حتى جلست بين يديه، فناوَلته كتابي، فوضعه في حجره، ثم قال: ممن أنت؟ فقلت: أنا أحدُ تَنوخَ، قال: هل لك في الإسلام الحنيفية مِلة أبيك إبراهيم؟ قلت: إني رسول قوم وعلى دين قومٍ لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم، فضحِك وقال: (( {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] ، يا أخا تنوخ، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة، فأمسَكها، فلن يزالَ الناس يجدون منه بأسًا ما دام في العيش خيرٌ، قلت: هذه إحدى الثلاثة التي أوصاني بها صاحبي، وأخذت سهمًا من جَعبتي، فكتَبتها في جلد سيفي، ثم إنه ناوَل الصحيفة رجلاً عن يساره، قلت: مَن صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم؟ قال: معاوية، فإذا في كتاب صاحبي: تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أُعِدت للمتقين، فأين النار؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( سبحان الله! أين الليل إذا جاء النهار؟ ) )، قال: فأخذت سهمًا من جَعبتي، فكتَبته في جلد سيفي، فلما أن فرَغ من قراءة كتابي، قال: إن لك حقًّا، وإنك رسول، فلو وجدت عندنا جائزة، جوَّزناك بها، إنا سَفْرٌ مُرملون، فناداه رجل من طائفة الناس، قال: أنا أُجَوِّزه، ففتح رَحْله، فإذا هو يأتي بحُلَّة صَفُورية، فوضعها في حجري، قلت: مَن صاحب الجائزة؟ قيل لي: عثمان، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( أيُّكم يُنزل هذا الرجل؟ ) )، فقال فتًى من الأنصار: أنا، فقام الأنصاري وقُمت معه، حتى إذا خرَجت من طائفة المجلس، ناداني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: (( تعالَ يا أخا تَنُوخ ) )، فأقبلتُ أهوي إليه، حتى كنت قائمًا في مجلسي الذي كنت بين يديه، فحلَّ حَبْوته عن ظهره، وقال: (( ها هنا امضِ لِما أُمِرتَ له ) )، فجُلْتُ في ظهره، فإذا أنا بخاتم في موضع غُضون الكَتِف مثل الحَجْمة الضخمة"."