قلت: موجبات اللوم تختلف، وعلى حسب اختلافها تختلف مقادير اللوم، فراكب الكبيرة ملوم على مقدارها، وكذلك مقترف الصغيرة. ألا ترى إلى قوله - تعالى -: وَعَصَوْا رُسُلَهُ، وقوله وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى لأن الكبيرة والصغيرة يجمعها اسم العصيان، كما يجمعهما اسم القبيح والسيئة.
ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى بيان ما حل بقوم هود - عليه السلام - فتقول: وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ. ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ.
أي: وتركنا في قصة عاد - أيضا - وهم قوم هود - عليه السلام - آية وعبرة، وقت أن
أرسلنا عليهم الريح العقيم. أي: الريح الشديدة التي لا خير فيها من إنشاء مطر، أو تلقيح شجر، وهي ريح الهلاك وأصل العقم: اليبس المانع من قبول الأثر.
شبه - سبحانه - الريح التي أهلكتهم وقطعت دابرهم، بالمرأة التي انقطع نسلها، بجامع انعدام الأثر في كل.
ثم وصف - سبحانه - هذه الريح التي توهموا أنها تحمل لهم الخير، بينما هي تحمل لهم الهلاك، وصفها بقوله: ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ أي: ما تترك من شيء مرت عليه.
إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ أي: إلا جعلته كالشيء الميت الذي رم وتحول إلى فتات مأخوذ من رم الشيء إذا تفتت وتهشم. ويقال للنبات إذا يبس وتفتت: رميم وهشيم.
كما يقال للعظم إذا تكسر وبلى: رميم. ومنه قوله - تعالى -: قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ.
ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى بيان ما حل بقوم صالح - عليه السلام - فقال - تعالى -: وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ.
أي: وتركنا - كذلك - في قصة صالح - عليه السلام - مع قومه آية وعظة، وقت أن قال لهم - على سبيل الإنذار والتحذير من المداومة على الكفر .. تمتعوا بحياتكم التي تعيشونها في هذه الدنيا، حتى وقت معين في علم الله - تعالى - تنتهي عنده أعماركم.