والآن وقد فرغنا من تفسير"سورة الذاريات"المكية نشرع في تفسير سورة"الطور"المكية أيضا، مستعينين بالله. وأول ما يستقبلنا في هذه السورة الكريمة قسم من الله عظيم، على أن"الساعة"آتية لا ريب فيها، وعلى أن المعاد حق بكل توابعه ونتائجه، وذلك قوله تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم وَالطُّورِ ** وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ * يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا * فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ، ومعنى"الطور"الجبل إذا كان فيه شجر، ومعنى"البحر المسجور"الذي يتأجج نارا، و"المور"تحرك السماء بأمر الله وموج بعضها عند قيام الساعة، ومعنى"يدعون إلى نار جهنم"يدفعون إليها ويساقون.
وبعدما وصفت الآيات الكريمة حالة المكذبين بالرسل، وما أعد الله لهم في جهنم من العذاب الأليم، تولت بالشرح والوصف والمقارنة حالة المتقين وهم في جنات ونعيم، وأشارت
بالخصوص إلى ما يتفضل به الحق سبحانه عليهم، إذ يجمع شمل المؤمنين من الآباء والأبناء في مقام واحد، ويقر أعين الآباء، فيلحق بهم ما لهم من أبناء، وإن كان بعضهم أعلى درجة من البعض الآخر عند الله، بالنسبة إلى عمله الصالح وتقواه، وذلك قوله تعالى" {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} ."