واختلفوا من وجه آخر وهو أن إبليس هل باشر خطابهما أو يقال إنه أوصل الوسوسة إليهما على لسان بعض أتباعه.
حجة القول الأول: قوله تعالى: {وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين} [الأعراف: 21] ، وذلك يقتضي المشافهة ، وكذا قوله: {فدلاهما بِغُرُورٍ} [الأعراف: 22] . (1)
وحجة القول الثاني: أن آدم وحواء عليهما السلام كانا يعرفانه ويعرفان ما عنده من الحسد والعداوة ، فيستحيل فِي العادة أن يقبلا قوله وأن يلتفتا إليه ، فلا بد وأن يكون المباشر للوسوسة من بعض أتباع إبليس.
بقي ههنا سؤالان ، السؤال الأول: أن الله تعالى قد أضاف هذا الإزلال إلى إبليس فلم عاتبهما على ذلك الفعل ؟ قلنا معنى قوله: {فَأَزَلَّهُمَا} أنهما عند وسوسته أتيا بذلك الفعل فأضيف ذلك إلى إبليس كما فِي قوله تعالى: {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً} [نوح: 6] .
فقال تعالى حاكياً عن إبليس: {وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى} [إبراهيم: 22] ، هذا ما قاله المعتزلة.
(1) - هذا الكلام يتعارض مع ظاهر القرآن ، والصحيح كما أخبر القرآن فِي أكثر من موضع أن من باشر الوسوسة هو إبليس بنفسه - عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. اهـ