واحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله جلّ وعزّ وصف الملائكة فقال: {لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 66] ، وقوله تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن} [الكهف: 50] والجنّ غير الملائكة.
أجاب أهل المقالة الأولى بأنه لا يمتنع أن يخرج إبليس من جملة الملائكة لما سبق فِي علم الله بشقائه عدلاً منه ، لا يُسْأَل عما يَفعل ، وليس فِي خلقه من نار ولا فِي تركيب الشهوة حين غضب عليه ما يدفع أنه من الملائكة.
وقول من قال: إنه كان من جنّ الأرض فسُبِيَ ، فقد رُوي فِي مقابلته أن إبليس هو الذي قاتل الجنّ فِي الأرض مع جُند من الملائِكة ؛ حكاه المهدَوِيّ وغيره.
وحكي الثّعلبي عن ابن عباس: أن إبليس كان من حيّ من أحياء الملائكة يقال لهم الجنّ خُلقوا من نار السموم ، وخُلقت الملائكة من نور ، وكان اسمه بالسريانية عزازيل ، وبالعربية الحارث ، وكان من خُزّان الجنة وكان رئيسَ ملائكة السماء الدنيا وكان له سلطانها وسلطان الأرض ، وكان من أشدّ الملائكة اجتهادا وأكثرهم علماً ، وكان يسوس ما بين السماء والأرض ؛ فرأى لنفسه بذلك شرفاً وعظمة ، فذلك الذي دعاه إلى الكفر فعصى الله فمسخه شيطاناً رجيماً.
فإذا كانت خطيئة الرجل فِي كِبْر فلا تَرْجُه ، وإن كانت خطيئته فِي معصية فارجه ؛ وكانت خطيئة آدم عليه السلام معصية ، وخطيئة إبليس كِبْراً.
والملائكة قد تُسَمَّى جِنًّا لاستتارها ؛ وفي التنزيل: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً} [الصافات: 158] ؛ وقال الشاعر فِي ذكر سليمان عليه السلام:
وسَخّرَ مِن جِنّ الملائِكِ تِسعةً ...
قياماً لَدَيْهِ يعملون بلا أَجْرِ
وأيضاً لما كان من خُزّان الجنة نُسب إليها فاشتق اسمه من اسمها ، والله أعلم.
وإبليس وزنه إفعيل ، مشتقّ من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله تعالى.