قال العجاج:
يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رسْماً مُكْرَسَا
قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ وأبلسا
أي: لم يحر إليَّ جواباً لكآبته.
فقيل: إن إبليس سمي بهذا الاسم، لأنه لما أويس من رحمة الله أبلس يأسا. ومثل هذا الوزن من العربية (الإجْفِيل) اسم للظليم، يقال: أجفل الظليم فهو مجفل وإجفيل، وكذلك الإغريض والإضريج، في أشباه لهذا.
وروى أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنما سمي إبليس، لأن الله أبلسه من الخير، أي: أيأسه.
وهذا متعد كما ترى، ورواه الليث - أيضا - متعديا فقال: لأنه أُبلِس من رحمة الله أي: أُويس، فحصل من هذا أنه عربي مشتق، وأن الإبلاس واقع ومطاوع.
قال أبو بكر بن الأنباري: لا يجوز أن يكون مشتقا من (أبلس) ، لأنه لو كان كذلك لجرى، [ألا ترى أن (إسحاق) إذا كان عربيا مأخوذا من أسحقه الله إسحاقا يجري، فيقال: قام إسحاق، ورأيت إسحاقاً. فلو كان إبليس من (أَبلس) أو (أُبلس) لجرى] كما يجرى إكليل وبابه، وترك تنوينه
في القرآن يدل على أنه أعجمي معرفة، والأعجمي لا يعرف له اشتقاق.
وقال محمد بن جرير: إنما منع صرفه وإن كان عربيًّا استثقالًا، لأنه لما قل نظيره في كلام العرب شبهوه بالأسماء الأعجمية كإسحاق لم يصرف، وهو من أسحقه الله، و (أيوب) من: (آب يؤوب) ، نظيره قيوم، من قام يقوم.
وهذا الذي قال ابن جرير: يبطل بباب (إفْعِيل) فإنه مصروف كله إلا إبليس.
وأما أيوب وإسحاق، فمن لم يصرفهما لم يجعلهما مشتقين.
والاختيار في هذا الحرف أنه غير مشتق، لإجماع النحويين على أنه منع الصرف للعجمة والمعرفة، فلو جعلناه مشتقّاً بطلت العجمة ووجب صرفه
واختلفوا في أن إبليس هل هو مستثنى من الملائكة أو لا؟ فروى مجاهد وطاوس عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية ملكاً من الملائكة، اسمه (عزازيل) ، وكان من سكان الأرض وعمارها، وكان سكان الأرض من الملائكة يسمون: (الجن) ، ولم يكن من الملائكة أشد اجتهادا ولا أكثر علمًا منه. فلما تكبر على الله عز وجل وأبى السجود لآدم وعصاه، لعنه وجعله شيطاناً مريداً، وسماه: إبليس. وعلى هذا القول أيضا ابن مسعود، وابن المسيب، وابن جريج، وقتادة، وابن جرير، وقالوا: إنه استثني من جنس المستثنى منه، وكان إبليس من جملة الملائكة