الذين أمروا بالسجود. وهؤلاء أولوا قوله: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف: 50] أي: كان من قبيل من الملائكة، يقال لهم: الجن، سموا جناً لاستتارهم عن الناس. قال الأعشى يذكر سليمان ابن داود عليه السلام:
وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الملائِكِ تِسْعَةً ... قِيَاماً لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلَا أَجْرِ
فجعل الملائكة جنّاً.
وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال: إنما قيل لإبليس: الجني، لأنه كان من خزنة الجنة.
وقال الزجاج وابن الأنباري: معنى قوله: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} أي كان ضالّاً كما أن الجن الذين كانوا سكان الأرض قبل الملائكة كانوا ضُلَّالاً، فلما فعل إبليس مثل فعلهم أدخل في جملتهم كما قال الله سبحانه: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} [التوبة: 67] . فعلى قول هؤلاء هو مستثنى من الملائكة، وهو استثناء الجنس من الجنس.
وقال عبد الرحمن بن زيد، وشهر بن حوشب: ما كان إبليس من الملائكة قط.
وروى عوف عن الحسن قال: ما كان إبليس من الملائكة قط، طرفة عين. وهؤلاء قالوا: إنه استثني من الملائكة، وليس منهم، لأنه أمر بالسجود كما أمروا، فخالف وأطاعوا، فاستثني من فعلهم، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا كقول العرب: ارتحل العسكر إلا الأثقال، وسار الناس إلَّا الخيام.
وقال سعيد بن المسيب. إن إبليس سبي من الجن حين اقتتلوا الملائكة، وكان صغيرا فنشأ بين الملائكة. وهذا اختيار الحسين بن الفضل. وإليه ذهبت المعتزلة.
وقوله تعالى: {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} . هما بمعنى واحد، وكرر للتأكيد، وحقيقة الاستكبار: الأنفة مما لا ينبغي أن يؤنف منه.
وقوله تعالى: {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} . أي وصار،. كقوله: {وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 43] .
وقال الأكثرون معناه: وكان في سابق علم الله من الكافرين.
وقيل: كان من الجن الذين كانوا قبله على مذهب من جعله منهم.
فإن قيل: كيف جمع، ولم يكن في ذلك الوقت كافر غير إبليس؟ فيقال: إن الله سبحانه علم أنه يكون بعد إبليس كافرون، كقول إبراهيم {وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [الأنبياء: 56] معناه: أنه علم أنه سيكون بعده من يشهد على قومه بمثل شهادته. وقيل: كان من القوم الذين إذا فعل واحد منهم مثل فعله كان مثله. وعلى ما قاله سعيد بن المسيب، لا يتوجه هذا السؤال. انتهى انتهى {التفسير البسيط. 2/ 361 - 376} .