وقد كان جمع من الصالحين يقومون الليل كله، حتى نقل ذلك عن أربعين من التابعين كانوا يصلون الغداة بوضوء العشاء: منهم سعيد بن المسيب، وفضيل بن عياض، ووهيب بن الفرات، وأبو سليمان الداراني، وعلي بن بكار وحبيب العجمي، وكهمس بن المنهال، وأبو حازم، ومحمد بن المنكدر، وأبو حنيفة رحمه الله تعالى، وغيرهم عدّهم وسماهم بأنسابهم الشيخ أبو طالب المكي في كتابه قوت القلوب، فمن عجز عن ذلك يستحب له قيام ثلثيه أو ثلثه. وأقل الاستحباب سدس الليل، فإما أن ينام ثلث الليل الأول ويقوم نصفه وينام سدسه الآخر، أو ينام النصف الأول ويقوم ثلثه، أو ينام السدس.
روي عن داود عليه السلام قال: يا رب إني أحب أن أتعبد لك، فأي وقت أقوم؟ فأوحى الله تعالى إليه: «يا داود لا تقم أول الليل ولا آخره؛ فإنه من قام أوله نام آخره، ومن قام آخره نام أوله، ولكن قم وسط الليل حتى تخلو بي وأخلو بك، وارفع إلي حوائجك» .
ويكون القيام بين نومتين، وإلا فيغالب النفس من أول الليل ويتنفل، فإذا غلبه النوم ينام، فإذا انتبه يتوضأ فيكون له قومتان ونومتان، ويكون ذلك من أفضل ما يفعله، ولا يصلي وعنده نوم يشغله عن الصلاة والتلاوة حتى يعقل ما يقول، وقد ورد «لا تكابدوا الليل» .
وقيل لرسول الله: «إن فلانة تصلي من الليل، فإذا غلبها النوم تعلقت بحبل فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن ذلك وقال: «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ مَا تَيَسَّرَ، فَإِذَا غَلَبَهُ النَّوْمُ فَلْيُنِمَّ» وقال عليه السلام: «لا تشادوا هذا الدين فإنه متين فمن يشاده يغلبه» ولا تبغضن إلى نفسك عبادة الله.
ولا يليق بالطالب ولا ينبغي له أن يطلع الفجر وهو نائم إلا أن يكون قد سبق له في الليل قيام طويل فيعذر في ذلك، على أنه إذا استيقظ قبل الفجر بساعة مع قيام الليل سبق في الليل يكون أفضل من قيام طويل، ثم النوم إلى بعد طلوع الفجر، فإذا استيقظ قبل الفجر يكثر الاستغفار والتسبيح ويغتنم تلك الساعة، وكلما يصلي بالليل يجلس قليلاً بعد كل ركعتين ويسبح ويستغفر ويصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإنه يجد بذلك ترويحاً وقوة على القيام. وقد كان بعض الصالحين يقول: هي أول نومة، فإن انتبهت ثم عدت إلى نومة أخرى فلا أنام الله عيني.
وحكى لي بعض الفقراء عن شيخ له أنه كان يأمر الأصحاب بنومة واحدة بالليل، وأكلة واحدة لليوم والليلة.
وقد جاء في الخبر: «قم من الليل ولو قدر حلب شاة» .