التجافي يعني الترك ، لكن الترك قد يكون معه شوق ويصاحبه ألم ، كما تودع حبيباً وتتركه وأنت غير زاهد فيه ولا قَالٍ له ، أما الجفوة فترك فيه كراهية للمتروك ، فهؤلاء الؤمنون الذين يتركون مضاجعهم كأن جنوبهم تكره المضجع وتجفوه ؛ لأنها تتركه إلى لذة أبقى وأعظم هي لذة الاتصال بالله ومناجاته .
ونذكر هنا إن الإمام علياً رضي الله عنه حينما ذهب ليدفن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها وقف عند قبر رسول الله وقال: السلام عليك يا سيدي يا رسول الله ، قَلَّ عن صفيتك صبري ، ورقَّ عنها تجلُّدي ، إلا أن لي في التعزي بعظيم فُرْقتك وفادح مصيبتك موضع تأسٍّ - يعني: الذي تحمَّل فَقْدك يا رسول الله يهون عليه أيُّ فَقْد بعدك - فلقد وسدتُك يا رسول الله في ملحودة قبرك ، وفاضت بين سَحْري ونَحْري نفسك ، أما ليلي فمُسهَّد ، وأما حزني فَسَرْمَد ، إلى أنْ يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم ، هذا وستخبرك ابنتك عن حال أمتك وتضافرها على هضمها ... فَأصْغِها السؤال ، واستخبرها الحال ، هذا ولم يَطلُّ منك العهد ، ولم يخْلُ منك الذكر .
ثم لما أراد أنْ ينصرف عن قبر حبيبه قال: والسلام عليك سلام مُودِّع ، لا قال ولا سئم ، فإنْ انصرف فلا عن ملالة ، وإنْ أُقِم فلا عن سوء ظنَّ بما وعد الله به عباده الصابرين .
فقوله تعالى: {تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع . .} [السجدة: 16] أي: تكرهها وتجفوها ، مع أنها أعزُّ ما يركن إليه الإنسان عند راحته ، فالإنسان حين تدبّ فيه الحياة ، ويستطيع أنْ تكون له قوة ونشاط يعمل في الحياة ، فالعمل فرع وجود الحياة ، وبالقوة يمشي ، وبالقوة يحمل الأثقال .