أخبر تعالى أنه لم يبعث إليهم رسولاً بخصوصيتهم قبل محمد (صلى الله عليه وسلم) ، لا لهم ولا لآبائهم ، لكنهم كانوا متعبدين بملة إبراهيم وإسماعيل ، وما زالوا على ذلك إلى أن غير ذلك بعض رؤسائهم ، وعبدوا الأصنام وعم ذلك ، فهم مندرجون تحت قوله: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} أي شريعته ودينه ؛ والنذير ليس مخصوصاً بمن باشر ، بل يكون نذيراً لمن باشره ، ولغير من باشره بالقرب ممن سبق لها نذير ، ولم يباشرهم نذير غير محمد (صلى الله عليه وسلم) .
وقال ابن عباس ، ومقاتل: المعنى لم يأتهم في الفترة بين عيس ومحمد ، عليهما السلام.
وقال الزمخشري: {ما أتاهم من نذير من قبلك} ، كقوله: {ما أنذر آباؤهم} وذلك أن قريشاً لم يبعث الله إليهم رسولاً قبل محمد (صلى الله عليه وسلم) .
فإن قلت: فإذا لم يأتهم نذير ، لم تقم عليهم حجة.
قلت: أما قيام الحجة بالشرائع التي لا يدرك علمها إلا بالرسل فلا ، وأما قيامها بمعرفة الله وتوحيده وحكمته فنعم ، لأن أدلة العقل الموصلة إلى ذلك معهم في كل زمان. انتهى.
والذي ذهب إليه غير ما ذهب إليه المفسرون ، وذلك أنهم فهموا من قوله: {ما أتاهم} ، و {ما أنذر آباؤهم} أن ما نافية ، وعندي أن ما موصولة ، والمعنى: لتنذر قوماً العقاب الذي أتاهم.
{من نذير} : متعلق بأتاهم ، أي أتاهم على لسان نذير من قبلك.
وكذلك {لتنذر قوماً ما أنذر أباؤهم} أي العقاب الذي أنذره آباؤهم ، فما مفعولة في الموضعين ، وأنذر يتعدى إلى اثنين.
قال تعالى: {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة} وهذا القول جار على ظواهر القرآن.