وبهذا الاعتبار اختار أهل النظر من العلماء أن سَمَّوْا هذه المنزلة بين المنزلتين كَسْباً ، وأخذوا هذه التسمية من كتاب الله العزيز ، وهو قوله سبحانه: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت} [البقرة: 286] .
قوله تعالى: {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هاذآ} فيه قولان: أحدهما: أنه من النسيان الذي لا ذكر معه ؛ أي لم يعملوا لهذا اليوم فكانوا بمنزلة الناسين.
والآخر: أن"نَسِيتُمْ"بما تركتم ، وكذا {إِنَّا نَسِينَاكُمْ} .
واحتج محمد بن يزيد بقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ} [طه: 115] قال: والدليل على أنه بمعنى ترك أن الله عز وجل أخبر عن إبليس أنه قال: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} [الأعراف: 20] فلو كان آدم ناسياً لكان قد ذكّره.
وأنشد:
كأنه خارجاً من جَنْب صَفْحَته ...
سَفُّودُ شَرْبٍ نَسُوهُ عند مُفْتَأدِ
أي تركوه.
ولو كان من النسيان لكان قد عملوا به مرة.
قال الضحاك:"نَسِيتُمْ"أي تركتم أمري.
يحيى بن سلام: أي تركتم الإيمان بالبعث في هذا اليوم.
{نَسِينَاكُمْ} تركناكم من الخير ؛ قاله السُّديّ.
مجاهد: تركناكم في العذاب.
وفي استئناف قوله:"إِنَّا نَسِينَاكُمْ"وبناء الفعل على"إنّ"واسمها تشديد في الانتقام منهم.
والمعنى: فذوقوا هذا ؛ أي ما أنتم فيه من نكس الرؤوس والخِزي والغمّ بسبب نسيان الله.
أو ذوقوا العذاب المخلّد ، وهو الدائم الذي لا انقطاع له في جهنم.
{بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} يعني في الدنيا من المعاصي.
وقد يعبّر بالذّوق عما يطرأ على النفس وإن لم يكن مطعوماً ، لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم.
قال عمر بن أبي ربيعة:
فذُقْ هجرها إن كنت تزعم أنها ...
فسادٌ ألاَ يا رُبَّما كذب الزعم
الجوهريّ: وذُقْت ما عند فلان ؛ أي خبرته.