الخامس: أن تعودَ الهاء [على الله تعالى] وأَنْ يكون"خَلْقَه"منصوباً على المصدرِ المؤكِّدِ لمضمون الجملةِ كقولِه: {صُنْعَ الله} [النمل: 88] ، وهو مذهبُ سيبويه أي: خَلَقَه خَلْقاً . ورُجِّحَ على بدلِ الاشتمال: بأنَّ فيه إضافةَ المصدرِ إلى فاعِله ، وهو أكثرُ مِنْ إضافتِه إلى المفعول ، وبأنه أبلغُ في الامتنانِ لأنه إذا قال: {أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ} كان أبلغَ مِنْ"أَحْسَنَ خَلْقَ كلِّ شيء"؛ لأنه قد يَحْسُنُ الخلقُ - وهو المحاولةُ - ولا يكون الشيء في نفسِه حَسَناً . وإذا قال: أحسنَ كلَّ شيْءٍ اقتضى أنَّ كلَّ شيءٍ خَلَقَه حَسَنٌ ، بمعنى أنه وَضَعَ كلَّ شيءٍ في موضعِه .
وأمَّا القراءةُ الثانية ف"خَلَقَ"فيها فعلٌ ماضٍ ، والجملةُ صفةٌ للمضافِ أو المضافِ إليه ، فتكونُ منصوبةَ المحلِّ أو مجرورتَه .
قوله:"وَبَدَأ"العامَّةُ على الهمزِ . وقرأ الزهريُّ"بدا"بألفٍ خالصةٍ ، وهو خارجٌ عن قياسِ تخفيفِها ، إذ قياسُه بينَ بينَ . على أن الأخفش حكى"قَرَيْتُ"وجوَّز الشيخ أن يكونَ مِنْ لغةِ الأنصار . يقولون في بدأ:"بَدِي"يكسِرون الدالَ وبعدها ياءٌ ، كقولِ عبدِ الله بن رواحة الأنصاري:
3669 بسمِ الإِلهِ وبه بَدِيْنا ... ولو عَبَدْنا غيرَه شَقِيْنا
قال:"وطيِّئٌ تقول في بَقِي: بَقَا". قال:"فاحتمل أَنْ تكونَ قراءةُ الزهري من هذه اللغةِ ، أصلُه بَدِي ، ثم صار بدا". قلت: فتكون القراءةُ مركبةً مِنْ لغتَيْن .
ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9)
قوله: {وَجَعَلَ لَكُمُ} : هذا التفاتٌ مِنْ ضميرِ غائبٍ مفردٍ في قوله:"نَسْلَه"إلى آخره ، إلى خطاب جماعة .