ثم يقول سبحانه: {وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ} [السجدة: 7] فالإنسان الذي كرّمه الله على سائر المخلوقات بدأه الله من الطين ، وهو أدنى أجناس الوجود ، وقلنا: إن جميع الأجناس تنتهي إلى خدمة الإنسان . الحيوان وهو أقربها للإنسان ، ثم النبات ، ثم الجماد ، ومن الجماد خُلِق الإنسان .
وقد عوَّض الله عز وجل الجماد الخادم لباقي الأجناس حين أمر الإنسان المكرَّم بأن يُقبِّله في فريضة كُتبت عليه مرة واحدة في العمر ، وهي فريضة الحج ، فأمره أن يُقبِّل الحجر الأسود ، وأنْ يتعبد لله تعالى بهذا التقبيل ؛ لذلك يتزاحم الناس على الحجر ، ويتقاتلون عليه ، وهو حجر ، وهم بشر كرَّمهم الله ، وما ذلك إلا ليكسر التعالي في النفس الإنسانية ، فلا يتعالى أحد على أحد .
وسبق أنْ بيّنا أن المغرضين الذين يحبون أنْ يستدركوا على كلام الله قالوا: إن الله تعالى قال في مسألة الخَلْق مرة {مِّن مَّآءٍ ...} [المرسلات: 20] ومرة {مِن تُرَابٍ ...} [الكهف: 37] ومرة {مِّن طِينٍ} [المؤمنون: 12] ومرة {مِن صَلْصَالٍ ...} [الحجر: 33] ومرة {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 26] . . الخ ، فأيُّ هذه العناصر أصل للإنسان؟
وقلنا: إن هذه مراحل مختلفة للشيء الواحد ، والمراحل لا تقتضي النية الأولية ، فالماء والتراب يُكوِّنان الطين ، فإذا تُرك الطين حتى تتغير رائحته فهو الحمأ المسنون ، فإذا تُرك حتى يجفَّ ويتجمد فهو الصلصال ، فهذه العناصر لا تعارض بينها ، ويجوز لك أنْ تقول: إن الإنسان خُلِق من ماء ، أو من تراب ، أو من طين .. . إلخ .
والمراد هنا الإنسان الأول ، وهو سيدنا آدم - عليه السلام - ثم أخذ الله سلالته من ماء مهين ، والسلالة هي خلاصة الشيء ، فالخالق سبحانه خلقنا أولاً من الطين ، ثم جعل لنا الأزواج والتناسل الذي نتج عنه رجال ونساء .