وحين تتأمل مثلاً عملية التعليم ، وتقارن بين أعداد التلاميذ في المرحلة الابتدائية ، وكم منهم يصل إلى مرحلة التعليم العالي . وكم منهم يتساقطون في الطريق؟ ولو أنهم جميعاً أخذوا شهادات عليا لما استقام الحال ، وإلاَّ فمَر للمهن المتواضعة والحرف وغيرها .
إذن: لا بُدَّ أنْ يوجد هذا التفاوت ؛ لأن العقل الواحد يحتاج إلى آلاف ينفذون خطته ، وقيمة كل امرئ ما يُحسنه مهما كان عمله .
لذلك قلنا: إنه لا ينبغي لأحد أنْ يتعالى على أحد ؛ لأنه يمتاز عنه في شيء ما ، إنما ينظر فيما يمتاز به غيره ؛ لأن الخالق عز وجل وزّع المواهب بين الخَلْق جميعاً ، ويكفي أن تقرأ قول الحق سبحانه: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ ...} [الحجرات: 11]
فالله تعالى: {الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . .} [السجدة: 7] لأن لكل مخلوق مهمة مُهيّأ لها ، وتعجب من تصاريف القدر في هذه المسألة فتجد أخوين ، يعمل أحدهما في العطور ، ويعمل الآخر في الصرف الصحي ، وتجد هذا راضياً بعمله ، وهذا راضٍ بعمله .
حتى أنك تجد الناس الذين خلقهم الله على شيء من النقص أو الشذوذ حين يرضى الواحد منهم بقسمة الله له وقدره فيه يسود بهذا النقص ، أو بهذا الشذوذ ، وبعضنا لاحظ مثلاً الأكتع إذا ضرب شخصاً بهذه اليد الكتعاء ، كم هي قوية! وكم يخافه الناس لأجل قوته! وربما يجيد من الأعمال ما لا يجيده الشخص السوَّي .
فإنْ قلتَ: إذا كان الخالق سبحانه أحسن كل شيء خلقه ، فما بال الكفر ، خلقه الله وما يزال موجوداً ، فأيُّ إحسان فيه؟
نقول: والله لولا طغيان الكافرين ما عشق الناسُ الإيمانَ ، كما أنه لولا وجود الظلم والظالمين لما شعر الناس بطَعْم العدل . إذن: فالحق سبحانه يخلق الشيء ، ويخلق من ضده دافعاً له .