وهذا كلام لا يقول به عاقل ، وقد دلَّ على غبائهم وحُمْقهم ، وكان الأَوْلَى بهم أنْ يقولوا: اللهم إنْ كان هذا هو الحق من عندك فاهْدِنا إليه .
وقد ردَّ القرآن على كل افتراءاتهم على رسول الله ، وفنَّدها جميعاً ، وأظهر بطلانها ، لما قالوا عن رسول الله إنه مجنون ردَّ الله عليهم:
{ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 1 - 4]
والمجنون لا يكون أبداً على خلق عظيم ؛ لأنه محكوم بالغريزة لا يختار بين البدائل والتصرفات كالحيوان ، ولا ينشأ عن ذلك خُلق كريم .
أما الإنسان السَّويُّ فإنه يختار بين البدائل المتعددة ، فلو اعتدى عليه إنسان فقد يردُّ عليه . بمثل هذا الاعتداء ، وقد يفكر في المثلية ، وأن اعتداءه قد يزيد فيميل إلى التسامح ، واحد يكظم غيظه وآخر يزيل كل أثر للغيظ ، ويبغي الأجر على ذلك من الله ، عملاً بقوله تعالى: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ ...} [النور: 22] وكأن الله يشجعنا على عمل الخير .
لذلك لما سُئل الحسن البصري: كيف يطلب الله منَّا أنْ نُحسن إلى مَنْ أساء إلينا؟ قال: هذه مَرَاق في مجال الفضائل ، وقد أباح الله لك أنْ تردَّ الإساءة بمثلها {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ...} [الشورى: 40] لكن بترك الباب مفتوحاً أمام أريحية النفس المؤمنة {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ...} [الشورى: 40]
ثم إذا حسبنا هذه المسألة بمقاييس العقل ، فإن الخَلْق كلهم عيال الله ، وهم عنده سبحانه سواء ، فماذا لو اعتدى أحد عيالك على الآخر؟ لا شكَّ أنك ستكون في جانب المظلوم ، فتأخذه في حضنك وترعاه وتعطف عليه ، وكذلك الحق - تبارك وتعالى - يكون في جانب عبده إذا ظلم . وقد قال أحدهم: ألاَ أُحسن إلى مَنْ جعل الله في جانبي؟