قالوا لنا: هذا يعني أن الإسلام ظاهر على الأديان منذ أربعة عشر قرناً من الزمان ، فما بالنا نرى الآن أكثر أهل الأرض من غير المسلمين؟
فقلت في الرد عليهم: والله لو فهمتُم أسرار اللغة ، وتأملتُم هذه الآية لوجدتم أن الرَّد فيها ، فواحدة تقول: {وَلَوْ كَرِهَ الكافرون} [الصف: 8] ، والأخرى تقول {وَلَوْ كَرِهَ المشركون} [التوبة: 33]
إذن: فالكفر والشرك موجودان مع وجود الإسلام ، وليس معنى الظهور هنا أن يطمس هؤلاء ، أو أنْ يُقْضَى عليهم قضاء مبرماً ، إنما يظهر عليهم بحيث يُضطرون إليه ، ويلجئون إلى أحكامه ، رغم عدم إيمانهم به ، وهذا أبلغ في الظهور ، أنْ تأخذ بما في القرآن وأنت غير مؤمن به ؛ لأنك لا تجد حلاً لقضاياك إلا فيه .
وأوضح مثال على ذلك أنهم هاجموا شرع الله في مسألة الطلاق ، وفي مسألة تعدُّد الزوجات ، واتهموا الإسلام بالوحشية . . إلخ ، ثم تضطرهم أقضية الحياة ومشاكلها أنْ يشرِّعوا الطلاق ، وأنْ يأخذوا به على مرأى ومَسْمع من الفاتيكان ، فماذا جرى؟ فنقول لهم: هل أسلمتم وآمنتم؟ لا ، إنما لجأنا إليه ؛ لأن فيه الحل لهذه المشاكل التي أحاطتْ بنا .
فهذه إذن شهادة العدو لدين الله ، وهذا هو أعظم الإظهار للإسلام على هذه الأديان ؛ لأنهم أسلموا ، لقالوا عنهم: أخذوا بهذا الشرع لأنهم لو أسلموا ، إنما ها هم يأخذون به وهم به كافرون مشركون .
ومعنى {لاَ رَيْبَ فِيهِ . .} [السجدة: 2] أي: لا شكَّ فيه ، وقلنا: إن النسب في القضايا . أي نسبة شيء لشيء إما مجزوم بها أو غير مجزوم بها ، فلو قُلْنا: الأرض كروية هذه قضية جزم بها الآن ، ونستطيع التدليل على صحتها دليلاً حسياً ، فهذه قضية واقعة ومجزوم بصحتها ، وعليها دليل في الكون .