فالذي خُيِّر في أنْ يفعل أو لا يفعل أراد أنْ يبين منهجه في أنه لم يأخذ الاختيار وسيلة لتثبيت الأهواء ؛ لذلك قال بعدها: {قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} [الكهف: 87] هذا هو العقاب {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} [الكهف: 88] أي: بعد أنْ ينال ثوابه ، نعطيه فوق ذلك حوافز تشجعه ، ونقيم له حفلة تكريم لنغري غيره بأن يسلك مسلكه .
إذن: فقضية الثواب والعقاب أمر لازم ، وإذا كان هذا في الأمور الحياتية الجزئية ، فهو أَوْلى في أمور الدين والقيم التي تسيطر على كل موازين الحياة ، لا بُدَّ من وقت للثواب وللعقاب ، وإلا استشرى الظلم واغتال الناس ، وقضى عليهم وأخذ منهم كل مُتع الحياة ، فانتفع بذلك المفسد ، وخاب كل مَن التزم بدين الله وقيم منهجه .
لذلك تجد الحق - تبارك وتعالى - يؤكد دائماً على مسألة البعث والقيامة والحساب ، وترى أعداء الدين يحاولون أنْ يُشككوا في هذه القضية ، وأنْ يُزحزحوا الناس عن الإيمان بها بطرق شتى .
فالفلاسفة لهم في ذلك دور ، وللملاحدة دور ، ولأهل الكتاب دور ؛ لذلك تجد التوراة مثلاً تكاد تخلو من إشارة عن اليوم الآخر ، وهذا أمر غريب لا يمكن تصوره في كتاب ودين سماوي ومنهج حياة .
وما ذلك إلا لأن أهل التوراة أرادوا أنْ يُزحزحوا الناس عن أمور عدة ليثبتوا لأنفسهم سلطة زمنية مادية ، حتى إنهم طمعوا في أنْ يرتقوا بهذه السلطة حتى يصلوا إلى الله تعالى ، كما حكى القرآن عنهم: {وَإِذْ قُلْتُمْ يا موسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً ...} [البقرة: 55]