ولما أنزل الله عليهم المنَّ ، وهو مادة حُلْوة كطعم القشدة جعلها تتساقط عليهم ، وأنزل عليهم السلوى ، وهي طيور مثل السمان تنزل عليهم جاهزة مُعدَّة للتناول رفضوا عطية الله لهم ، وطعامه الذي أُعدَّ من أجلهم ، وقالوا: بل نريد طعاماً نصنعه بأيدينا ، وقالوا: {لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ ...} [البقرة: 61] ، فقال لهم: {اهبطوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ ...} [البقرة: 61]
وما دام الأمر بالنسبة لهؤلاء مادياً فلا بُدَّ أنْ يزحزح نفسه عن الآخرة وعن القيامة والحساب ، لذلك راحوا يُشكِّكون فيها ، أما الفلاسفة فقالوا: حين يبعث الله إنساناً بعد الموت وقد تحللتْ أعضاؤه وصارت تراباً ، ثم غرست في هذا المكان شجرة فتغذتْ من هذا التراب ، وأكل إنسان آخر من ثمارها وانتقلتْ إليه بعض خلايا وجزيئات الأول ، فإذا كان هناك بعث أتُبعت هذه الجزئيات مع الأول أم مع الآخر؟ فإنْ كانت مع الأول فهي نقص في الآخر والعكس . هذه هي شبهة الفلاسفة .
وقد تخبَّط الفلاسفة هذا التخبُّط ؛ لأنهم لم يفطنوا إلى شيء في الوجود يعطي قيماً للغيبيات ، وقد أوضحنا هذه المسألة فقلنا لهم: لو أن إنساناً يزن مائة كيلو مثلاً أصيب بمرض أفقده أربعين كيلو من وزنه ، فماذا يعني هذا النقص بالنسبة للشخص نفسه؟
هذه المسألة يتحكم فيها أمران: الغذاء والإخراج ، ففي فترة النمو يكون الداخل للجسم أكثر من الخارج ، أما في فترة الشيخوخة مثلاً فالخارج أكثر ، فإنْ توازن الأمران كانت حالة من الثبات لا يزيد فيها الشخص ولا ينقص ، وهي فترة الثبات .
فالشخص الذي نقص من وزنه أربعون كيلو ، ثم شفاه الله وعادت إليه عافيته حتى زاد وزنه وعاد إلى حالته الطبيعية ، فهل تغيَّر الشخص حال نقصان وزنه؟ وهل تغيَّر حال عودته إلى طبيعته؟ أم ظلت الشخصية والذاتية هي هي؟