ولما كان من أعجب العجب مجادلتهم مع إقرارهم بما يلزمهم به قطعاً التسليم في أنه الواحد لا شريك له وأن له جميع صفات الكمال فله الحمد كله ، قال: {ولئن} أي يجادلون أو يقولون: بل نتبع آباءنا والحال أنهم أن {سألتهم من خلق السماوات} بأسرها {والأرض} وجميع ما فيها {ليقولن} ولما كان الأنسب للحكمة التي هي مطلع السورة الاقتصار على محل الحاجة ، لم يزد هنا على المسند إليه بخلاف الزخرف التي مبناها الإبانة ، فقال لافتاً القول عن العظمة إلى أعظم منها فقال: {الله} أي"المسمى بهذا الاسم الذي جمع مسماه بين الجلال والإكرام"فقد أقروا بأن كل ما أشركوا به بعض خلقه ومصنوع من مصنوعاته.
ولما كانوا يعتقدون أن شركائهم تفعل لهم بعض الأفعال ، فلذلك كانوا يرجونهم ويخافونهم ، كما أن ذلك واضح في قصة عم أنس الصم وغيرها ، أمره - صلى الله عليه وسلم - بأن يعلمهم أنه لا خلق لغيره ولا أمر ، بل هو مبدع كل شيء في السماوات والأرض كما أبدعهما ، وأن من جملة ذلك مما يستحق به الحمد سبحانه قهرهم على تصديقه صلى الله عليه السلام بمثل هذا الإقرار وهم في غاية التكذيب ، فقال مستأنفاً: {قل الحمد} أي الإحاطة بجميع أوصاف الكمال {لله} أي الذي له الإحاطة الشاملة الكاملة من غير تقييد بخلق الخافقين ولا غيره"الأمر أعظم من مقالة قائل"كما أحاط بما تعلمونه من خلق السماوات والأرض ، فهو فاعل الإفعال كلها ، كما أنه خالق الذوات كلها ، ولا شريك له في شيء من الأمر ، كما أنه لا شريك له في شيء من الخلق.