والآن وقد انتهينا من تفسير سورة لقمان ننتقل إلى سورة السجدة المكية أيضا، وهي آخر سورة في سلسلة السور المبدوءة بالحروف الهجائية المقطعة، التي وردت متتابعة على التوالي، ابتداء من سورة الشعراء، وانتهاء عند هذه السورة. وسميت (سورة السجدة) أخذا من قوله تعالى في الآية الخامسة عشر: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} .
وقد تصدى كتاب الله في بداية هذه السورة للرد على خصوم القرآن، وتبيين الرسالة العظمى التي جاء بها لهداية الخلق،
فقال تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} .
ثم تحدث كتاب الله عن خلق السماوات والأرض، وتدبير الخالق الحكيم للكون، وعلمه المحيط بكل شيء، فقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ} ، وحتى لا يظن ظان أن (الأيام الستة) التي تم فيها خلق الكون من جنس أيامنا القصيرة المحدودة، قال تعالى في نفس السياق: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} .