21 -بل يجادل بمجرد التقليد، كما قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ} ؛ أي: لهؤلاء المجادلين، والجمع باعتبار معنى من {اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} تعالى على نبيه من القرآن الواضح، والنور البيّن، فآمنوا به {قَالُوا} لا نتبعه {بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} الأقدمين من عبادة الأصنام والأوثان والملائكة، فإنهم كانوا أهل حق ودين صحيح، فنعبد ما كانوا يعبدونه من الأصنام، ونمشي في الطريق الذي كانوا به في دينهم، فوبخهم سبحانه على تلك المقالة التي هي من حبائل الشيطان ووساوسه، فقال: {أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ} ؛ أي: يدعو آباءهم، والهمزة فيه للاستفهام الإنكاري المضمن للتعجب من التعلق بشبهة هي في غاية البعد من مقتضى العقل، داخلة على محذوف، والضمير عائد إلى الآباء، والجملة في حيز النصب على الحالية من المحذوف.
والمعنى: أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم بما هم عليه من الشرك {إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} ؛ أي: إلى عذاب النار الشديدة الاتقاد والالتهاب، فهم مجيبون إليه حسبما يدعوهم؛ أي: أيتبعونهم في حال دعاء الشيطان آباءَهم إلى العذاب، مع أنه لا ينبغي أتباعهم في هذه الحال؛ لأنها حال تلفٍ وعذاب.
ويجوز أن يراد أنه يدعو هؤلاء الأتباع إلى عذاب السعير؛ لأنه زين لهم اتباع آبائهم والتدين بدينهم، ويجوز أن يراد أنه يدعو جميع التابعين والمتبوعين إلى العذاب، فدعاؤه للمتبوعين بتزيينه لهم الشرك، ودعاؤه للتابعين بتزيينه لهم دين آبائهم، وفي الآية منع صريح من التقليد، وما أقبح التقليد، وأكثر ضرره على صاحبه، وأوخم عاقبته، وأشأم عائدته على من وقع فيه، فإن الداعي له إلى ما أنزل الله على رسوله، كمن يريد أن يذود الفراش عن لهب النار لئلا تحترق، فتأبى ذلك، وتتهافت في نار الحريق وعذاب السعير.