{و} سخر لكم {مَا فِي الْأَرْضِ} من الجبال والصحارى والبحار والأنهار والحيوانات والنباتات والمعادن، بأن مكنكم من الانتفاع بها بوسط أو بغير وسط، فيدخل في ذلك جميع مخلوقات الأرض المسخرة لبني آدم، من الأحجار والتراب والزرع والشجر، والثمر والحيوانات التي ينتفعون بها، والعشب الذي يرعون فيه دوابهم، وغير ذلك مما لا يحصى كثرةً.
فالمراد بالتسخير: جعل المسخر بحيث ينتفع به المسخر له، سواء كان منقادًا له وداخلًا تحت تصرفه أم لا، {و} أن الله {أَسْبَغَ} وأتم وأكمل {عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ} يقال: سبغت النعمة: إذا تمت وكملت وكثرت.
وقرأ ابن عباس ويحيى بن عمارة: {وأصبغ} بالصاد، وهي لغة لبني كلب يبدلونها من السين إذا جامعت الغين أو الخاء أو القاف صادًا، وباقي القراء: بالسين على الأصل، وقرأ الحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو وحفص {نِعَمَهُ} جمعًا مضافًا للضمير، وباقي السبعة وزيد بن علي: {نعمةً} على الإفراد.
حالة كون تلك النعم {ظَاهِرَةً} ؛ أي: محسوسةً مشاهدة، مثل حسن الصورة وامتداد القامة، والحواس الظاهرة من السمع والبصر والشم والذوق واللمس والنطق، وذكر اللسان والرزق والمال والجاه والخدم والأولاد والصحة والعافية والأمن ووضع الوزر ورفع الذكر، والأدب الحسن، ونفس بلا ذلة، وقدم بلا زلة، والإقرار والإِسلام من نطق الشهادتين، والصلاة والصوم والزكاة، والحج وتعلم القرآن وحفظه، ومتابعة الرسول إلى غير ذلك.
{و} حالة كونها {بَاطِنَةً} ؛ أي: معقولةً غير مشاهدة بالحس، كنفخ الروح في البدن، وإشراقه بالعقل والفهم والفكر والمعرفة، وتزكية النفس عن الرذائل، وتحلية القلب بالفضائل، ولذا قال عليه السلام:"اللهم كما حسنت خَلقي، فحسن خُلقي"ومحبة الرسول وزينه في قلوبكم، واتصال الذكر على الدوام والرضى والغفران وقلب بلا غفلة، وتوجهٍ بلا علةٍ، وفيض بلا قلةٍ"."