{وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} ؛ أي: وانقص من صوتك واخفضه واقصر على قدر الحاجة، ولا تتكلف رفعه في محل الخطاب، والكلام خصوصًا عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعند الدعاء والمناجاة، فإن الجهر بأكثر من الحاجة يؤذي السامع، والخفض أوقر للمتكلم، وأبسط لنفس السامع وفهمه، والصوت هو الهواء المنضغط عند قرع جسمين، كما سيأتي بسطه في مبحث المفردات.
ثم علل النهي وبينه بقوله: {إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ} ؛ أي: إن أبشع الأصوات وأقبحها، الذي ينكره العقل الصحيح، ويحكم بقبحه برفعها فوق الحاجة بلا داعٍ {لـ} هو {صَوْتُ الْحَمِيرِ} وغاية من يرفع صوته أنه يجعله شبيهًا بصوت الحمار في علوه، ورفعه، وهو البغيض إلى الله تعالى. وفي ذلك ما لا يخفى من الذم وتهجين رفع الصوت، والترغيب عنه، ومن جعل الرافع صوته كأنه حمار مبالغةً في التنفير من عمله، وهذا أدب من الله لعباده بترك الصياح عند وجوه الناس تهاونًا بهم، أو بترك الصياح جملةً، وقد كانت العرب تفخر بجهارة الصوت، فمن كان منهم أشد صوتًا .. كان أعز، وكان أخفض .. كان أذل، قال شاعرهم:
جَهِيْرُ الْكَلاَمِ جَهِيْرُ الْعُطَاسْ ... جَهِيْرُ الرُّوَاءِ جَهِيْرُ النِّعَمْ
وَيَعْدُوْ عَلَى الأيْنِ عَدْوَ الظَّلِيْمِ ... وَيَعْلُو الرِّجَالَ بِخَلْق عَمِمْ
وقال قتادة: أقبح الأصوات صوت الحمير، أوله زفير وآخره شهيق، قال المبرد: تأويله: إن الجهر بالصوت ليس بمحمود، وإنه داخل في باب الصوت المنكر. اهـ.
وأفرد الصوت مع إضافته إلى الجمع، لما أن المراد ليس بيان حال صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع، بل بيان حال صوت هذا الجنس من بين أصوات سائر الأجناس، فإن كل حيوان يفهم من صوته أنه يصيح من ثقل أو تعب، كالبعير أو لغير ذلك، والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح، ولو قتل لا يصيح، وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق بصوت أوله زفير وآخره شهيق، وهما فعل أهل النار.