17 -ولما نهاه أولًا عن الشرك، وأخبره ثانيًا بعلمه تعالى وباهر قدرته .. أمره بما يتوسل به إلى الله تعالى من الطاعات، فبدأ بأشرفها، وهو الصلاة، حيث يتوجه إليه بها، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بالصبر على ما يصيبه من المحن جميعها، أو على ما يصيبه بسبب الأمر بالمعروف، ممن يبعثه عليه، والنهي عن المنكر ممن ينكره عليه، فكثيرًا ما يؤذى فاعل ذلك، وهذا إنما يريد به بعد أن يمثل هو في نفسه فيأتي بالمعروف فقال:
{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ} التي هي أكمل العبادات، تكميلًا لنفسك من حيث العمل بعد تكميلها من العلم والاعتقادات؛ لأن النهي عن الشرك فيما سبق قد تضمن الأمر بالتوحيد، الذي هو أول ما يجب على الإنسان؛ أي: أدّها كاملةً على النحو المرضي لما فيها من رضا الرب بالإقبال عليه والإخبات له، ولما فيها من النهي عن الفحشاء والمنكر، وإذا تم ذلك .. صفت النفس وأنابت إلى بارئها في السراء والضراء، كما جاء في الحديث:"اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
وبعد أن أمره بتكميل نفسه توفيةً لحق الله عليه، عطف على ذلك تكميله لغيره فقال: {وَأْمُرْ} غيرك بقدر استطاعتك {بِالْمَعْرُوفِ} ؛ أي: بالمستحسن شرعًا وعقلًا، وحقيقته: ما يوصل العبد إلى الله تعالى. {وَانْهَ} الناس {عَنِ الْمُنْكَرِ} ؛ أي: عن المستقبح شرعًا وعقلًا وتكميلًا لغيرك، وحقيقته: ما يشغل العبد عن الله؛ أي: وانْهَهُمْ بقدر استطاعتك عن معاصي الله ومحارمه، التي توبق من اكتسبها، وتلقي به في عذاب السعير، في جهنم وبئس المصير.
{وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} من أذى الناس في ذات الله، إذا أنت أمرتهم بالمعروف أو نهيتهم عن المنكر، أو على ما أصابك من الشدائد والمحن، كالأمراض والفقر والهم والغم، والصبر: حبس النفس عما يقتضي الشرع أو العقل والكف عنه، وقد بدأ هذه الوصية بالصلاة وختمها بالصبر؛ لأنهما عمادا الاستعانة إلى رضوان الله تعالى، كما قال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} .