والمعنى: أي يا بني، إن الفعلة من الإساءة والإحسان, إن تك وزن حبة من خردل، فتكن في أخفى مكان وأحرزه، كجوف الصخرة أو في أعلى مكان، كالسماوات أو في أسفله كباطن الأرض، يحضرها الله يوم القيامة، حين يضع الموازين القسط، ويجازي عليها، إن خيرًا .. فخير، وإن شرًا .. فشر، كما قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} .
وقرأ نافع: {مثقال} بالرفع على أن {تَكُ} تامة، وتأنيثها لإضافة المثقال إلى الحبة. وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر، وباقي السبعة بالنصب على أن {تَكُ} ناقصة، واسمها: ضمير يفهم من سياق الكلام، تقديره: هي؛ أي: التي سألت عنها، وقرأ عبد الكريم الجزري: {فتكن} بكسر الكاف وشد النون وفتحها من الكن، وهو الشيء المغطى، وقراءة محمد بن أبي فجة البعلبكي: {فتكن} بضم التاء وفتح الكاف والنون مشددة، وقرأ قتادة: {فتكن} بفتح التاء وكسر الكاف وسكون النون، من وكن الطائر يكن: إذا استقر في وكنته، ورويت هذه القراءة عن عبد الكريم الجزري أيضًا؛ أي: تستقر.
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى من قول لقمان {لَطِيفٌ} يصل علمه إلى كل خفي، فإن أحد معاني اللطيف هو العالم بخفيات الأمور، ومن عرف أنه العالم بالخفيات .. يحذر أن يطلع عليه فيما هو فيه، ويثق به في علم ما يجهله، {خَبِيرٌ} ؛ أي: عالم بكنهه يعلم ظواهر الأمور وخوافيها.
قال في"شرح حزب البحر": الخبير: هو العلم بدقائق الأمور، التي لا يتوصل إليها غيره إلا بالاختيار والاحتيال، ومن عرف أنه الخبير .. ترك الرياء والتصنع لغيره بالإخلاص له، فالله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ويحيط بأسرار الضمائر وبطون الخواطر ويحاسب عليها، سواء كانت في صخرة النفوس أو في سماء الأرواح، أو في أرض القلوب، وفيه تنبيه لأهل المراقبة، وتحذير من الملاحظات لاطلاع الحق على نوادر الخطرات وبطون الحركات.