وأياً ما كان فهو معطوفٌ على مضمر آخرَ ينسحب عليه الكلام كأنه قيل له عليه السلام غِبَّ ما أوحيَ إليه ما خوطب به الكفرةُ من الوحي الناطقِ بتفاصيل الأمورِ السابقةِ الزاجرة عن الكفر به تعالى: ذكِّرهم بذلك واذكُرْ لهم هذه النعمةَ ليتنبهوا بذلك لبُطلان ما هم عليه وينتهوا عنه ، وأما ما قيل من أن المقدَّرَ هو اشكُر النعمةَ فِي خلق السماواتِ والأرض أو تدبَّرْ ذلك فغيرُ سديدٍ ضرورةَ أن مقتضى الكلام تذكيرُ المخاطبين بمواجب الشكرِ وتنبيهُهم على ما يقتضيه ، وأين ذاك من مَقامه الجليلِ صلى الله عليه وسلم ؟ وقيل: انتصابُه بقوله تعالى: قالوا ، ويأباه أنه يقتضي أن يكون هو المقصودَ بالذات دون سائرِ القصة ، وقيل: بما سبق من قوله تعالى: {وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ} ، ولا يخفى بُعدُه ، وقيل: بمضمرٍ دل عليه مضمونُ الآية المتقدمة مثل وبدأ خلقَكم إذ قال الخ... ولا ريب فِي أنه لا فائدةَ فِي تقييد بدءِ الخلقِ بذلك الوقت ، وقيل: بخلقكم أو بأحياكم مضمراً ، وفيه ما فيه ، وقيل: إذْ زائدة ، ويْعزى ذلك إلى أبي عبيد ومَعْمَر ، وقيل: إنه بمعنى قد ، واللامُ فِي قوله عز قائلاً: {للملائكة} للتبليغ ، وتقديمُ الجارِّ والمجرور فِي هذا الباب مطَّرِدٌ لما فِي المقول من الطول غالباً مع ما فيه من الاهتمام بما قُدِّم والتشويقِ إلى ما أُخِّر كما مر مراراً ، والملائكةُ جمعُ ملك باعتبار أصلِه الذي هو مَلأك على أن الهمزة مزيدة كالشمائل فِي جمع شمأل ، والتاء لتأكيد تأنيثِ الجماعة ، واشتقاقُه من مَلَك لما فيه من معنى الشدة والقوة ، وقيل: على أنه مقلوبٌ من مأْلَكٍ ، من الألوكة وهي الرسالة أي موضعَ الرسالة أو مرسلٌ على أنه مصدرٌ بمعنى المفعول ، فإنهم وسائطُ بين الله تعالى وبين الناسِ فهم رسلُه عز وجل ، أو بمنزلة رسلِه عليهم السلام ، واختلفت العقلاءُ فِي حقيقتهم بعد اتفاقِهم على أنها ذواتٌ موجودةٌ قائمةٌ بأنفسها.