وقرأ ابن هرمز: ويسفك بنصب الكاف ، فمن رفع الكاف عطف على يفسد ، ومن نصب فقال المهدوي: هو نصب فِي جواب الاستفهام ، وهو تخريج حسن وذلك أن المنصوب فِي جواب الاستفهام أو غيره بعد الواو بإضمار أن يكون المعنى على الجمع ، ولذلك تقدر الواو بمعنى مع ، فإذا قلت: أتأتينا وتحدثنا ونصبت ، كان المعنى على الجمع بين أن تأتينا وتحدثنا ، أي ويكون منك إتيان مع حديث ، وكذلك قوله:
أبيت ريان الجفون من الكرى ...
وأبيت منك بليلة الملسوع
معناه: أيكون منك مبيت ريان مع مبيتي منك بكذا ، وكذلك هذا يكون منك جعل مفسد مع سفك الدماء.
وقال أبو محمد بن عطية: النصب بواو الصرف قال: كأنه قال من يجمع أن يفسد وأن يسفك ، انتهى كلامه.
والنصب بواو الصرف ليس من مذاهب البصريين.
ومعى واو الصرف: أن الفعل كان يستحق وجهاً من الإعراب غير النصب فيصرف بدخول الواو عليه عن ذلك الإعراب إلى النصب كقوله تعالى: {ويعلم الذين يجادلون} ، فِي قراءة من نصب ، وكذلك: {ويعلم الصابرين} فقياس الأول الرفع ، وقياس الثاني الجزم ، فصرفت الواو الفعل إلى النصب ، فسميت واو الصرف ، وهذا عند البصريين منصوب بإضمار أن بعد الواو.
والعجب من ابن عطية أنه ذكر هذا الوجه أولاً وثنى بقول الهدوي ، ثم قال: والأول أحسن.
وكيف يكون أحسن وهو شيء لا يقول به البصريون وفساده مذكور فِي علم النحو ؟ ولما كانت الصلة يفسد ، وهو فعل فِي سياق الإثبات ، فلا يدل على التعميم فِي الفساد.
نصوا على أعظم الفساد ، وهو سفك الدماء ، لأنه به تلاشي الهياكل الجسمانية التي خلقها الله ، ولو لم ينصوا عليه لجاز أن لا يراد من قولهم: يفسد ، وكرر فيها لأن فِي ذلك تنبيهاً على أن ما كان محلاً للعبادة وطاعة الله كيف يصير محلاً للفساد ؟ كما مر مثله فِي قوله:
{وإذا قيل لهم لا تفسدوا فِي الأرض} ولم يحتج إلى تكرير فيها بعد قوله: ويسفك ، اكتفاء بما سبق وتنكباً أن يكرروا فيها ثلاث مرات.