فظاهر هذا الخطاب تنبيه لشرف خلق الجنان وما فيها ، والعرش بما هو عليه من انتظام الأجزاء وكمال الصورة ، ولم يقل: إني خالق عرشاً أو جنة أو ملكاً ، وإنما قال ذلك تشريفاً وتخصيصاً لآدم.
قالوا تقدم أن الاختيار فِي العامل إذ هو ، قالوا: ومعموله الجملة من قوله: أتجعل ؟ ولما كانت الملائكة لا تعلم الغيب ولا تسبق بالقول ، لم يكن قولهم: {أتجعل فيها} الآية ، إلا عن نبأ ومقدمة ، فقيل: الهمزة ، وإن كان أصلها للاستفهام ، فهو قد صحبه معنى التعجب ، قاله مكي وغيره ، كأنهم تعجبوا من استخلاف الله من يعصيه أو من يعصيان من يستخلفه فِي أرضه.
وقيل: هو استفهام على طريق الاستعظام ، والإكبار للاستخلاف والعصيان.
وقيل: هو استفهام معناه التقرير ، قاله أبو عبيدة ، قال الشاعر:
ألستم خير من ركب المطايا ...
وأندى العالمين بطون راح
وعلى هذه الأقوال يكون علمهم بذلك قد سبق ، إما بإخبار من الله ، أو بمشاهدة فِي اللوح ، أو يكون ومخلوق غيرهم وهم معصومون ، أو قالوا ذلك بطريق القياس على من سكن الأرض فأفسد قبل سكنى الملائكة ، أو استنبطوا ذلك من لفظ خليفة ، إذ الخليفة من يكون نائباً فِي الحكم ، وذلك يكون عند التظالم.
وقيل: هو استفهام محض ، قاله أحمد بن يحيى ، وقدره: أتجعل هذا الخليفة على طريقة من تقدّم من الجن أم لا ؟ وفسره أبو الفضل التجلي: أي أم تجعل من لا يفسد ، وقدره غيرهما ، ونحن نسبح بحمدك ، أم تتغير ؟ فعلى الأقوال الثلاثة الأول لا معادل للاستفهام ، لأنه مذهوب به مذهب التعجب أو الاستعظام أو التقرير.
وعلى القول الرابع يكون المعادل مفعول أتجعل ، وهو من يفسد.
وعلى القول الخامس تكون المعادلة من الجملة الحالية التي هي قوله ، ونحن نسبح بحمدك.
وقرأ الجمهور: ويسفك بكسر الفاء ورفع الكاف.
وقرأ أبو حياة وابن أبي عبلة: بضم الفاء.
وقُرئ: ويسفك من أسفك ويسفك من سفك مشدّد الفاء.