وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا الحسن محمد بن علي بن الشاه يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن علي بن حمدان يقول: سمعت الحجاج بن عبد الكريم يقول: خرجت من بلخ في طلب إبراهيم بن أدهم فرأيته بحمص في أتون يسجّرها فسلّمت عليه وسألته عن حاله ، فردّ عليَّ السلام وسألني عن حالي وحال أقربائه ، فكنت معه يومه ذلك فقال: لعلّ نفسك تنازعك إلى شيء من طعام؟ فقلت: نعم فأخذ رماداً وتراباً فخلطهما وأكلهما ثمَّ أقبل بوجهه عليَّ وانشأ يقول:
اخلط الترب بالرماد وكُلْه ... وازجر النفس عن مقام السؤالِ
فإذا شئت ان تقبّع بالذلّ ... فرم ما حوته أيدي الرجال
فخرجت من عنده فمكثت أياماً لم أدخل عليه فاشتدّ شوقي إليه ، فدخلت عليه وكنت عنده فلم يتكلّم بشيء فقلت له: لِمَ لا تكلّم؟ فقال:
مُنع الخطاب لأنه سبب الردى ... والنطق فيه معادن الآفاتِ
فإذا نطقتَ فكن لربّك ذاكراً ... وإذا سكتَّ فعدّ جسمك مات
قال أبو بكر الوراق: يطعمني بلا طعام ويسقيني بلا شراب ، ومجازها: يشبعني ويرويني من غير علاقة ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم:
"إنّى أبيت يطعمني ربّي ويسقيني". يدلّ عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام يقرأ {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا} فرمى بقربته ، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنّة فسقاه.
قال أنس: فعاش بعد ذلك نيّفاً وعشرين سنة لم يأكل ولم يشرب على شهوته.
وقال علي بن قادم: كان عبد الرَّحْمن بن أبي نعم لا يأكل في الشهر إلاّ مرَّة ، فبلغ ذلك الحجاج فدعاه وأدخله بيتاً وأغلق عليه بابه ثم فتحه بعد خمسة عشر يوماً ولم يشكّ أنّه مات فوجده قائماً يصلّي فقال: يا فاسق تُصلّي بغير وضوء فقال: إنّما يحتاج إلى الوضوء مَن يأكل ويشرب ، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها هذا البيت.