وكذلك قدّره السكاكي في"المفتاح"، وهو قصر إفراد إضافي ، أي لا يتجاوز الكون على ربي إلى الاتصاف بكونه عليَّ.
وهو رد لما تضمنه كلام قومه من مطالبته بإبعاد الذين آمنوا لأنهم لا يستحقون أن يكونوا مساوين لهم في الإيمان الذي طلبه نوح من قومه.
وقوله: {لو تشعرون} تجهيل لهم ورغمٌ لغرورهم وإعجابهم الباطل.
وجواب {لو} محذوف دل عليه ما قبلَه.
والتقدير: لو تشعرون لشَعَرْتُم بأن حسابهم على الله لا عليَّ فَلَمَا سألتمونيه.
ودَل على أنه جهَّلَهم قولُه في سورة هود (29) {ولكني أراكم قوماً تجهلون}
هذا هو التفسير الذي يطابق نظم الآية ومعناها من غير احتياج إلى زيادات وفروض.
والمفسرون نحَوْا منحى تأويل الأرذلون أنهم الموصوفون بالرذالة الدنية ، أي الطعن في صدق إيمان من آمن به ، وجعلوا قوله: {وما علمي بما كانوا يعملون} تبرُّؤاً من الكشف على ضمائرهم وصحة إيمانهم.
ولعل الذي حملهم على ذلك هو لفظ الحساب في قوله: {إن حسابهم إلا على ربي} ، فحملوه على الحساب الذي يقع يوم الجزاء وذلك لا يثلج له الصدر.
وعطف قوله: {وما أنا بطارد المؤمنين} على قوله: {وما علمي بما كانوا يعملون} فبعد أن أبطَل مقتضى طردِهم صرح بأنه لا يفعله.
وجملة: {إن أنا إلا نذير مبين} استئناف في معنى التعليل ، أي لأن وصفي يصرفني عن موافقتكم.
والمُبِين: من أبان المتعدي بمعنى بَيَّن ووضَّح.
والقصر إضافي وهو قصر موصوف على صفة.
وقد تقدم في سورة هود حكاية موقف لنوح عليه السلام مع قومه شبيه بما حكي هنا وبين الحكايتين اختلاف مَّا ، فلعلهما موقفان أو هما كلامان في موقف واحد حكي أحدُهما هنالك والآخر هنا على عادة قصص القرآن ، فما في إحدى الآيتين من زيادة يحمل على أنه مكمل لما في الأخرى.
قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116)